الفكر العربي المعاصر المأسوف عليه

آراء سياسية

 من مرثية 2009 إلى ارتباك 2026، لقد كتبتُ هذا الموضوع سنة 2009 بجريدة هسبريس⁠، في لحظةٍ كان فيها العالم العربي يبدو ساكنًا، راكدًا، غارقًا في يقينياته السياسية والثقافية والإيديولوجية. يومها كنتُ أعتقد أن أزمة الفكر العربي تكمن أساسًا في عجزه عن إنتاج نهضة عقلانية حقيقية، وفي فشله في خلخلة البنيات التقليدية العميقة التي تُكبّل العقل والإنسان والمجتمع.

لكنني، حين عدتُ إلى المقال بعد سنوات طويلة، وأعدتُ قراءته بعين الحاضر، اكتشفتُ أن كثيرًا من المياه قد جرت تحت الجسر، وأن النص نفسه أصبح، في نظري، متجاوزًا أمام التحولات الجذرية والعنيفة التي عرفها العالم العربي والعالم بأسره. فبين 2009 و2026 لم تتغير السياسة فقط، بل تغيّر الإنسان العربي ذاته: أحلامه، لغته، علاقته بالمعرفة، بالسلطة، بالدين، بالهوية، وحتى بطريقة إدراكه للعالم.
لقد انهارت أنظمة، واشتعلت حروب، وتفككت مجتمعات، وصعدت الشعبويات، واجتاحت الثورة الرقمية كل تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح المثقف نفسه كائنًا مرتبكًا داخل عالم جديد لا يشبه ذلك العالم الذي كتب فيه مقالاته الأولى.
وحين كتبتُ النص القديم، كانت القضية الفلسطينية ما تزال تمثل، على الأقل رمزيًا، مركز الوجدان السياسي العربي، وكانت إسرائيل تُقدَّم في الخطاب الرسمي والشعبي باعتبارها “العدو المركزي”. لكن السنوات الأخيرة قلبت المشهد رأسًا على عقب. دخل العالم العربي مرحلة التطبيع العلني، لا باعتباره مجرد اتفاقات دبلوماسية، بل باعتباره تحولًا عميقًا في بنية الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي.
لقد أصبح ما كان يُعتبر سابقًا “محرّمًا سياسيًا” أمرًا عاديًا يُقدَّم تحت شعارات الواقعية السياسية والمصالح الاستراتيجية والاستثمار والتكنولوجيا والأمن الإقليمي. وهنا ظهرت أزمة المثقف العربي مرة أخرى: هل يواصل الدفاع عن الخطابات القديمة، أم يعيد قراءة الواقع بمنطق جديد؟ وهل التطبيع مجرد خيار سياسي ظرفي، أم علامة على انهيار المنظومات القومية التي حكمت المخيال العربي لعقود؟
ثم جاءت حرب غزة لتكشف حجم التصدع الأخلاقي والسياسي الذي يعيشه العالم العربي المعاصر. لقد تحولت غزة إلى مرآة كبرى لعجز النظام الدولي، ولانهيار الخطاب الحقوقي الغربي الذي طالما بشّر بالديمقراطية وحقوق الإنسان. شاهد العالم صور الدمار والمجازر والجوع والموت الجماعي تُبث مباشرة على الهواتف، بينما بدا الإنسان العربي غارقًا بين الغضب والعجز والتشظي.
ولعل أخطر ما كشفت عنه غزة هو هذا الانفصال الهائل بين الشعوب والأنظمة، وبين الوجدان الشعبي العربي والخطابات الرسمية الباردة. لقد عادت القضية الفلسطينية لتطرح سؤال المعنى من جديد: ماذا تبقى من العروبة؟ ماذا تبقى من التضامن؟ وماذا تبقى من الإنسان نفسه داخل عالم تحكمه المصالح والقوة والتكنولوجيا العسكرية؟
ثم دخل العالم مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لم تعد المنطقة تعيش مجرد صراع محلي، بل أصبحت فوق فوهة بركان جيوسياسي مفتوح، تتداخل فيه الطاقة، والممرات البحرية، والطائفية، والسلاح النووي، والمصالح الإمبريالية، والحروب السيبرانية.
وهنا ظهر تحول آخر في الفكر العربي المعاصر: لقد انتقل العقل العربي من الانشغال بأسئلة النهضة والتحرر إلى الانشغال بأسئلة البقاء والخوف والانهيار. صار المواطن العربي يستيقظ كل يوم على احتمالات حرب إقليمية شاملة، وانهيارات اقتصادية، وتصاعد أسعار، وموجات هجرة، وخوف عالمي من مستقبل مجهول.
وفي خضم هذا كله، جاءت الثورة الرقمية لتزيد المشهد تعقيدًا.
لقد تغيّر العقل العربي مع الهواتف الذكية أكثر مما تغيّر مع آلاف الكتب. تحولت الثقافة من مشروع معرفي عميق إلى استهلاك بصري سريع. لم يعد المثقف مركز المجال الرمزي كما كان في القرن العشرين، بل أصبح ينافس “المؤثر” وصانع التفاهة وخبير الإثارة اللحظية. صار الإنسان العربي يعيش داخل اقتصاد الانتباه، حيث تُقاس القيمة بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة.
وهنا وقعت الكارثة الأنثروبولوجية الكبرى: انتقل المجتمع العربي من الأمية التقليدية إلى أمية جديدة أكثر خطورة؛ أمية مغطاة بالشاشات والهواتف الذكية. أصبح الفرد يعرف كل شيء بسرعة، لكنه لا يفهم شيئًا بعمق. كثرت المعلومات وندر الوعي، وتضخمت الآراء بينما تراجعت المعرفة الحقيقية.
لقد كان مثقف الستينيات والسبعينيات يحلم بتغيير العالم عبر الكتاب والحزب والنقابة والجامعة، أما مثقف اليوم فأصبح غالبًا محاصرًا داخل “خوارزمية” لا تهتم بالحقيقة بل بما يثير الجدل ويجلب التفاعل.
أما سياسيًا، فقد دخل العالم مرحلة جديدة من السيطرة الناعمة؛ حيث لم تعد السلطة تمارس هيمنتها فقط عبر القمع التقليدي، بل عبر التحكم في الصورة والإعلام الرقمي وصناعة الرأي العام والإلهاء الجماعي. لقد تغير شكل الاستبداد نفسه؛ صار أكثر نعومة وذكاءً وتغلغلًا داخل الحياة اليومية.
واجتماعيًا، عرف العالم العربي تحولات مرعبة: تفكك الطبقة الوسطى، تراجع دور الأسرة التقليدية، صعود الفردانية القلقة، انتشار العزلة النفسية، وتحوّل الشباب إلى كائنات معلقة بين أوطان منهكة وأحلام هجرة بعيدة.
لقد أصبح العربي يعيش اغترابًا مضاعفًا: غربة داخل وطنه، وغربة داخل العصر نفسه.
ومع ذلك، فالمشهد ليس مظلمًا بالكامل. فهذه الفوضى نفسها أفرزت جيلًا جديدًا بدأ يطرح أسئلة أكثر جرأة: الحرية الفردية، السلطة الرقمية، الذكاء الاصطناعي، العدالة الاجتماعية، علاقة الدين بالدولة، وحدود الهوية في عالم معولم ومتفكك.
لهذا، فإن الحديث اليوم عن “الفكر العربي المعاصر” لم يعد يشبه حديث 2009 إطلاقًا. لقد تغيّر العالم، وتغيرت أدوات الهيمنة، وتغيرت أشكال الوعي، بل تغير حتى معنى الثقافة نفسها.
وإذا كان السؤال القديم هو: لماذا فشل الفكر العربي في صناعة النهضة؟
فإن سؤال 2026 يبدو أكثر قسوة: هل ما يزال هناك متسع للفكر أصلًا داخل عالمٍ تبتلع فيه الخوارزميات الإنسان، وتتحول فيه الثقافة إلى سلعة، والحروب إلى بث مباشر، والقضايا الكبرى إلى مجرد “ترند” عابر؟

الطاهر كردلاس
2026/5/15