يعدّ عبد الكريم برشيد واحدًا من أبرز المنظرين للمسرح المغربي والعربي، ليس فقط باعتباره كاتبًا ومخرجًا، بل بوصفه مفكرًا يرى في المسرح فعلًا حضاريًا شاملًا يتجاوز حدود الفرجة والتسلية.
وفي حوار له مع جريدة "من أجلكم" بتاريخ 1/1/2018، يقدّم برشيد رؤية عميقة لمكانة المسرح في المجتمع، مؤكّدًا دوره الجوهري في التربية والتنشئة وبناء الإنسان.
المسرح: أكثر من فن… إنه شكل من أشكال التربية
ينطلق برشيد من قناعة راسخة مفادها أن المسرح الحقيقي ليس لهوًا ولا تسلية عابرة، بل هو شكل من أشكال التعليم والتربية وحفظ الصحة النفسية والعقلية للمجتمع. فكما يحتاج الإنسان إلى الغذاء المادي ليستمر في الحياة، فإنه في حاجة ماسّة إلى الغذاء الوجداني والفكري والروحي، وهو ما يوفّره المسرح بامتياز.
ويرى أن التعليم المدرسي وحده لا يكفي لبناء مواطن سليم ومجتمع متوازن، لأن التربية ليست عملية معرفية فقط، بل هي أيضًا تربية على القيم، والوعي، والجمال، وطرح الأسئلة الكبرى. وهنا يتدخل المسرح باعتباره فضاءً حيًّا لتشكيل الذوق، وتنمية الحس النقدي، وتعويد الفرد على الحوار والتفكير الحر.
المسرح الاحتفالي: رؤية تربوية للعيش
ضمن حديثه عن المسرح الاحتفالي، الذي يُعدّ عبد الكريم برشيد أحد أبرز منظّريه، يؤكد أن هذا المسرح ليس مجرد تقنيات أو أشكال فنية، بل هو “نظام للعيش” ورؤية فلسفية وفكرية. فالاحتفال، في تصوره، هو الأصل، وهو فعل إنساني يحرّر الإنسان من رتابة اليومي ومن إكراهاته.
ومن هذا المنطلق، يؤدي المسرح الاحتفالي وظيفة تربوية واضحة، لأنه يقرّب الفن من الناس، ويجعلهم شركاء في الفعل المسرحي، لا مجرد متلقين سلبيين. وهو مسرح يعلّم الإنسان كيف يرى العالم بشكل أفضل، وكيف يتواصل مع الآخر، وكيف يفهم ذاته ومجتمعه.
المسرح والوعي الاجتماعي
يؤكد برشيد أن المسرحي ليس مؤرخًا ولا صحفيًا ولا سياسيًا محترفًا، بل هو “العين السحرية” التي ترى ما لا يُرى، وتستشعر التحولات النفسية والوجدانية العميقة داخل المجتمع. ومن هنا، فإن المسرح يؤدي دورًا تربويًا بالغ الأهمية، لأنه يوقظ الوعي، ويحرّك الساكن، ويمنح الصوت للمسكوت عنه.
فالمسرح، في نظره، يربّي الإنسان على الانحياز إلى الحق والجمال، ويجعله أكثر قدرة على فهم القهر والظلم، وأكثر استعدادًا لمقاومتهما ورفضهما. وهذا ما يجعل المسرح، تاريخيًا، في صف المنبوذين والمهمشين، وفي خدمة القيم الإنسانية العليا.
دعم المسرح: دعم للتربية لا للفرجة
وفي سياق حديثه عن دعم الدولة للمسرح، يربط عبد الكريم برشيد هذا الدعم بالمسؤولية العمومية تجاه التربية الثقافية للمجتمع. فدعم المسرح ليس منّة ولا هبة، بل حق مشروع، لأن المسرح يخدم المصلحة العامة من خلال دوره التربوي والتكويني.
غير أنه ينتقد بشدة تحويل هذا الدعم إلى آلية للزبونية أو وسيلة لإفراغ المسرح من روحه النقدية، مؤكدًا أن المال العمومي يجب أن يُوجَّه إلى المشاريع المسرحية الجادة، التي تمتلك رؤية فكرية وجمالية واضحة، وتسهم فعليًا في تكوين الإنسان والارتقاء بذوقه ووعيه.
خاتمة
من خلال هذا الحوار، تتجلّى بوضوح رؤية عبد الكريم برشيد للمسرح بوصفه مدرسة موازية، تربي الإنسان على الحرية والمسؤولية، وعلى الجمال والسؤال، وعلى الانتماء الواعي لهويته الثقافية والحضارية. فالمسرح، في تصوره، ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تربوية واجتماعية، وشرط من شروط بناء مجتمع حيّ ومتوازن.
قراءة في حوار مع جريدة "الجزيرة " نشر بتاريخ 18/2/2018 حاورته: سناء القويطي