مقدمة: يُعدّ عبد الرحمن منيف (1933–2004) من أبرز الروائيين العرب الذين ارتبط مشروعهم الإبداعي بأسئلة التاريخ والسلطة والتحولات الاجتماعية في العالم العربي، خاصة بعد اكتشاف النفط. ويُعدّ الحوار الذي أجراه معه الصحافي حسين الموزاني سنة 1990 وثيقة فكرية مهمّة، لما يتضمنه من مواقف صريحة حول الهوية، والرواية، والسياسة، والوحدة العربية. تهدف هذه المقالة إلى تحليل تصور منيف لعلاقة الرواية بالتاريخ والسياسة، اعتماداً على هذا الحوار بوصفه مرجعاً أساسياً، مع الاستئناس ببعض أعماله الروائية حيث يقتضي السياق.
أولاً: إشكالية الهوية والانتماء في تصور عبد الرحمن منيف
يصرّح عبد الرحمن منيف في هذا الحوار بأن تعدد الأمكنة التي عاش فيها شكّل جزءاً من هويته الفكرية والإنسانية، رافضاً حصره في انتماء قطري ضيق. فقد وُلد في عمّان لأب سعودي وأم عراقية، وتنقّل بين الأردن والسعودية والعراق ومصر ويوغسلافيا، ثم عمل في عدد من الأقطار العربية. ويؤكد أن هذا التعدد ليس التباساً، بل «واقع موضوعي» يجعله ينتمي إلى «منطقة واسعة» لا إلى دولة واحدة.
ومن خلال هذا التصريح، يتضح أن منيف يرفض التصنيفات الجاهزة التي تفرضها المؤسسات الثقافية والسياسية، معتبراً إياها في كثير من الأحيان تصنيفات مفتعلة لا تعبّر عن التجربة الحقيقية للمثقف العربي في سياق التجزئة.
ثانياً: الرواية بين الالتزام الفني والموضوع السياسي
يطرح منيف في الحوار تصوراً واضحاً لمفهوم الرواية الجديدة، إذ يصرّح بأن القيمة الأساسية للعمل الروائي لا تكمن في حسن النية أو في أهمية الموضوع، وإنما في جودة البناء الفني. ويؤكد قائلاً إن «الرواية الجديدة والتقدمية هي الرواية المخدومة فنياً بشكل جيد».
ويكشف هذا الموقف عن وعي نقدي عميق يرفض اختزال الأدب في خطاب سياسي مباشر، ويؤكد ضرورة التوازن بين المضمون والشكل. فالرواية، في نظره، ليست منشوراً أيديولوجياً، بل بناء جمالي قادر على تعميق الوعي من خلال الفن لا الشعارات.
ثالثاً: النفط بوصفه مادة روائية وتاريخية
يربط منيف بين تجربته المهنية كخبير نفطي وبين مشروعه الروائي، دون أن يرى في ذلك تعارضاً. ففي الحوار، يصرّح بأن النفط كان عاملاً حاسماً في تغيير بنية المجتمع العربي وأنماط الحكم والعلاقات الاجتماعية. وقد مكّنته معرفته الدقيقة بهذا المجال من معايشة تفاصيل التحول التاريخي الذي عرفته المنطقة.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في خماسية «مدن الملح»، التي يمكن اعتبارها، استناداً إلى الحوار، محاولة لتمثيل الآثار العميقة لاكتشاف النفط، ليس فقط اقتصادياً، بل سياسياً وثقافياً وإنسانياً.
رابعاً: كتابة التاريخ غير الرسمي
يؤكد منيف أن أحد أهدافه الأساسية في الكتابة الروائية هو تقديم «تاريخ موازٍ» للتاريخ الرسمي، أي تاريخ الناس المجهولين والمهمَّشين. ففي حديثه عن «مدن الملح»، يصرّح بأنه حاول كتابة التاريخ غير المكتوب، مركزاً على الشخصيات التي غُيّبت عمداً من السرديات الرسمية.
ومن هذا المنطلق، فإن شخصيات الرواية لا تُقدَّم بوصفها أبطالاً فرديين، بل باعتبارها تعبيراً عن جماعة اجتماعية عاشت التحول بكل ما فيه من ألم وفجيعة. وهنا تتجلى وظيفة الرواية بوصفها أداة كشف وإضاءة، لا أداة صدمة أو استدرار للعاطفة.
خامساً: الرواية والسلطة ومفهوم القلق الإيجابي
يتناول منيف في الحوار علاقته الإشكالية بالسلطة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية، معتبراً أن هذا التوتر يكاد يكون قدراً مشتركاً بين المبدعين. لكنه في المقابل يرى أن تفاعل القرّاء مع العمل الإبداعي يمنح الكاتب نوعاً من الحماية المعنوية.
كما يؤكد أن وظيفة العمل الفني لا تتمثل في تقديم حلول جاهزة، بل في خلق «قلق إيجابي» يدفع القارئ إلى التساؤل وإعادة التفكير في واقعه. فالرواية، وفق هذا التصور، تُسهم في رفع مستوى الوعي وتعميق الحس النقدي دون أن تدّعي امتلاك الحقيقة.
سادساً: موقفه من الوحدة العربية
في سياق حديثه عن الوحدة الألمانية، يعبّر منيف عن موقف متحفظ إزاء إمكانية تحقيق وحدة عربية في الظروف الراهنة. فهو يصرّح بأنها أمنية مشروعة، لكنها تفتقر إلى شروطها الموضوعية، مثل الوعي المشترك، وتقارب أنظمة الحكم، والاستعداد للتضحية.
ويؤكد أن الوحدة لا يمكن أن تكون مجرد شعار أو حلم عاطفي، بل تتطلب عملاً تاريخياً طويلاً في مواجهة «عقلية التجزئة» التي ترسخت في الواقع العربي.
خاتمة
يبرز من خلال هذا الحوار أن عبد الرحمن منيف ينظر إلى الرواية باعتبارها فعلاً معرفياً وجمالياً في آن واحد، قادراً على مساءلة التاريخ والسلطة دون الوقوع في المباشرة أو التبشير. كما يكشف الحوار عن وعي نقدي حاد بإشكالات الهوية، والنفط، والاستبداد، والوحدة العربية، وهي القضايا التي شكّلت جوهر مشروعه الروائي والفكري.
وبذلك، يشكّل هذا الحوار مرجعاً أساسياً لفهم تصور منيف للعلاقة بين الرواية والسياسة، ويمنح القارئ مفاتيح قراءة أعماله ضمن سياقها التاريخي والفكري الصحيح.
المصدر المعتمد
عبد الرحمن منيف، حوار مع حسين الموزاني، برلين، 1990، موقع قنطرة.
قراءة تحليلية في حوار عبد الرحمن منيف مع حسين الموزاني (برلين، 1990) بقلم سعيد حميد