بعد أن بيّنا في الجزء الأول كيف تأسس التفتيش التربوي في القرن التاسع عشر بوصفه أداة لتنظيم التعليم في إطار الدولة الحديثة، يبرز في القرن العشرين تحول نوعي في هذه الوظيفة. فقد أدى توسع التعليم وتغير وظائف المدرسة إلى إعادة تعريف دور المفتش، ليتجه تدريجيًا نحو الإشراف التربوي (Educational Supervision / Supervisio Educativa) باعتباره آلية لدعم الممارسة التعليمية وتطويرها.
السياق التاريخي للتحول
عرفت الأنظمة التعليمية خلال القرن العشرين توسعًا ملحوظًا، خاصة بعد الحربين العالميتين، حيث انتقل التعليم من طابع نخبوِي إلى تعليم جماهيري (Mass Education / Educatio Universalis)، هذا التوسع أفرز ضغطًا كبيرًا على أجهزة التفتيش، التي كانت تعتمد أساسًا على الزيارات الدورية والتقارير الإدارية (Green, 1990)؛
أمام هذا الوضع، برزت محدودية النموذج التقليدي للتفتيش، الذي ركز على الضبط الإداري (Administrative Control / Moderatio Administrativa) أكثر من تحسين التعلم داخل حجرة الدرس.
التحول المفاهيمي: من التفتيش إلى الإشراف
في هذا السياق، بدأ تحول تدريجي في وظيفة التفتيش، فلم يعد الهدف مقتصرًا على مراقبة احترام القوانين، بل أصبح يرتبط بتحسين الأداء التربوي داخل الفصل.
وهكذا ظهر مفهوم الإشراف التربوي (Educational Supervision / Supervisio Educativa)، الذي يقوم على: مرافقة المعلم، وتطوير الممارسات الصفية، وتحسين جودة التعلم
ويمثل هذا التحول انتقالًا من منطق الرقابة إلى منطق التنمية المهنية (Professional Development / Progressio Professionalis) (Cuban, 1984).
التحول في الفكر التربوي
ارتبط هذا التطور بنمو العلوم التربوية (Educational Sciences / Scientiae Educationis)، التي أكدت أن جودة التعليم ترتبط أساسًا بكفاءة المعلم داخل الفصل.
وبناءً على ذلك، أعيد تعريف دور المفتش ليصبح: مؤطرًا تربويًا، وموجهًا مهنيًا، فخبيرًا في الممارسة الصفية
وبذلك تحوّل التركيز من مراقبة المؤسسة إلى تحسين الفعل التعليمي نفسه.
التحول في التجارب الأوروبية
في فرنسا، توسعت مهام المفتش العام (Inspecteur Général / General Inspector) لتشمل التوجيه التربوي والمساهمة في تطوير المناهج، إضافة إلى دعم تكوين المعلمين (Prost, 1968).
وفي بريطانيا، عرف جهاز مفتشي جلالة الملك (Her Majesty’s Inspectors – HMI) تطورًا مماثلًا، حيث أصبح يهتم بجودة التعلم داخل الفصل، مع اعتماد أساليب تقوم على الحوار المهني بدل الاقتصار على التقييم (Harrison, 1992).
إعادة تشكيل العلاقة المهنية
أدى هذا التحول إلى تغيير طبيعة العلاقة بين المفتش والمعلم، فبعد أن كانت علاقة قائمة على التقييم الصارم، أصبحت تميل إلى المرافقة المهنية (Professional Accompaniment / Accompagnatio Professionalis).
ومع ذلك، ظل هناك توازن دقيق بين:
التقييم (Evaluation / Aestimatio)
الدعم التربوي (Pedagogical Support / Auxilium Pedagogicum)
خلاصة الجزء الثاني
يمثل القرن العشرون مرحلة انتقالية في تاريخ التفتيش التربوي، حيث بدأ هذا الجهاز يتحول من أداة للضبط الإداري إلى آلية للإشراف التربوي، ممهّدًا لظهور نماذج أكثر تطورًا ترتكز على الجودة والتقويم في نهاية القرن.
غير أن هذا التحول نحو الإشراف التربوي لم يتخذ شكلًا واحدًا في مختلف الأنظمة التعليمية، بل تباينت نماذجه بحسب السياقات التاريخية والسياسية لكل دولة، وهو ما سنحاول الوقوف عليه في الجزء المقبلة من خلال عرض أبرز النماذج الأوروبية المقارنة.
لكل غاية مفيدة المراجع المعتمدة
المراجع
1- عبد الكريم، محمد (2015). الإشراف التربوي الحديث وأساليب تطوير التعليم. عمان: دار المسيرة.
2- محمد، علي عبد الرحمن (2005). الإشراف التربوي والتفتيش المدرسي: دراسة تحليلية مقارنة. القاهرة: دار الفكر العربي.
3- لاري كوبان (Larry Cuban) (1984). كيف كان المعلمون يُدرّسون، نيويورك: لونغمان.
4- آندي غرين (Andy Green) (1990). التعليم وبناء الدول، لندن: ماكميلان.
5- براين هاريسون (Brian Harrison) (1992). دور مفتشي جلالة الملك في التعليم، أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.
6- أنطوان بروست (Antoine Prost) (1968). تاريخ التعليم في فرنسا، باريس: أرمان كولان.
تطور التفتيش التربوي من النشأة إلى النماذج الحديثة. عبد الرزاق بن شريج - الجزء الثاني: التحول من التفتيش التربوي إلى الإشراف التربوي في القرن العشرين.