في صباحٍ رمضانيّ هادئ، عند تمام الساعة العاشرة، كانت أشعة الشمس تتسلّل بخفّة عبر نوافذ بناية المؤسسة، فتمنح المكان وقارًا يليق بمقامه. في الطابق العلوي، اجتمعت لجنة الانتقاء، ثلاثة خبراء لكلٍّ منهم عالمه الخاص: أحدهم غارق في أرقام الاقتصاد، والثاني مشغول بمنطق التدبير الإداري، والثالث يزن الكلمات بميزان الإعلام والتواصل.
دُعيت المرشّحة للدخول.
فتحت الباب بخطوات واثقة، في هيئةٍ أنيقة كما جرت عادة الجنس اللطيف حين يجمع بين الجمال والرصانة. كان لباسها متناسق الألوان، وغطاء رأسها ينساب بانضباطٍ يعكس ذوقًا رفيعًا، ويوحي بتديّنٍ هادئ ووقارٍ غير متكلّف. بدت في الثلاثين من عمرها، لكن في ملامحها ما يشي بنضجٍ يتجاوز سنّها.
حيّت اللجنة وجلست.
بدأت الأسئلة تتوالى، دقيقةً أحيانًا، ومراوغةً أحيانًا أخرى، أجابت بثقة، تربط بين التحليل الاقتصادي وحسن التدبير، وتختار كلماتها بعناية تُرضي خبير التواصل، بدت وكأنها تمسك بخيوط الحوار كلّها دون أن تُظهر ذلك.
تبادل أعضاء اللجنة نظراتٍ صامتة، ثم انحنى خبير الإعلام والتواصل قليلًا إلى الأمام وقال:
هل تحفظين بعض السور القرآنية؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بهدوء: أحفظ القرآن كاملًا.
ارتفعت حاجبا الخبير الاقتصادي دهشة، بينما قال الثالث بنبرة اختبار: حسنًا، اسمعينا السور العشر الأخيرة من سورة البقرة.
سكن المكان لحظة، كأن الزمن توقّف ينتظر جوابها.
أطرقت المرشّحة برأسها قليلًا، ثم رفعت نظرها بثبات، وقالت بصوتٍ هادئ يحمل اعتذارًا لا ضعف فيه: بكلّ فرحٍ وسرور، لكنني لست على طهارة الآن.
ساد صمتٌ آخر، لكنه هذه المرة لم يكن صمت اختبار، بل صمت تقدير.
ابتسم خبير التدبير الإداري ابتسامة خفيفة، وقال: جوابٌ ذكي، يعرف متى يجيب ومتى يعتذر.
وأضاف خبير الإعلام والتواصل: بل يعرف كيف يخرج من السؤال دون أن يفقد هيبته.
أما خبير الاقتصاد، فاكتفى بهزّ رأسه قائلًا: هذه قدرة لا تُدرَّس في الكتب.
في تلك اللحظة، لم تكن المرشّحة قد أجابت عن السؤال فحسب، بل قدّمت درسًا بليغًا في حسن التخلّص: كيف تحافظ على المبدأ دون صدام، وعلى الذكاء دون استعراض.
وعندما غادرت القاعة، كانت أشعة الشمس قد اشتدّت قليلًا… وكأنها تصفّق بصمتٍ لمرشّحةٍ عرفت كيف تدير موقفًا، قبل أن تدير مؤسسة.
-------------
الحدث واقعي قدمه خبير الاعلام والتواصل حسن بنمنصور في إحدى حلقاته التكوينية لطلبة المعهد العالي للصحافة والاعلام.