الانتخابات بين الشكل الديمقراطي ومضمون السيادة : تُقدَّم الانتخابات الحرة والنزيهة عادة باعتبارها المدخل الأساسي لبناء الديمقراطية، غير أن اختزال الديمقراطية في مجرد تنظيم اقتراع دوري يفرغها من مضمونها السياسي والتاريخي، فالانتخابات لا تكتسب معناها إلا حين تُدرَج ضمن تصور أوسع للشرعية، والسيادة الشعبية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع؛
ومن هنا يصبح السؤال المركزي ليس: هل تُجرى الانتخابات؟ بل:
كيف تُجرى؟
ولمن تمنح الشرعية؟
وتحت أية شروط سياسية وثقافية؟
أولاً: الانتخابات والشرعية السياسية: من التفويض إلى العقد الديمقراطي
يرى جان-لوك ميلونشو أن الديمقراطية التمثيلية تعاني من أزمة عميقة حين تتحول الانتخابات إلى آلية لتجديد النخب نفسها دون مساءلة حقيقية، فهو يؤكد أن “التصويت لا يعني التخلي عن السيادة، بل ممارستها بشكل مؤقت ومشروط”، معتبراً أن الانتخابات تشكل عقدًا سياسيًا لا تفويضًا مطلقًا.
هذا التصور ينسجم مع فكرة ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث تصبح الشرعية الانتخابية مشروطة بالالتزام بالإرادة الشعبية، لا مجرد غطاء قانوني لممارسة السلطة.
وفي السياق العربي، يقدم محمد عابد الجابري قراءة نقدية عميقة لمفهوم الشرعية، مميزًا بين شرعية القوة وشرعية الرضا؛ ففي كتابه العقل السياسي العربي، يبيّن أن أزمة الدولة العربية الحديثة تعود جزئيًا إلى عجزها عن تحويل الانتخابات إلى آلية لإنتاج الرضا السياسي، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الطاعة؛ فالانتخابات، حين تنفصل عن مبدأ الاختيار الحر، تتحول إلى طقس شكلي يعيد إنتاج الاستبداد بأدوات حديثة.
ثانياً: الانتخابات وبناء الثقة: الدولة، المواطن، والمشاركة السياسية
من منظور علم السياسة، يربط عبد الله ساعف بين الانتخابات وبناء الثقة السياسية، معتبرًا أن الدولة لا تكتسب مشروعيتها فقط من القانون، بل من قدرتها على إدماج المواطنين كفاعلين في القرار العمومي، فالانتخابات النزيهة، في هذا الإطار، ليست مجرد آلية تقنية، بل وسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المشاركة بدل التهميش.
ويذهب علال الفاسي، من منطلق إصلاحي ووطني، إلى أن الشرعية السياسية لا تنفصل عن الشرعية الأخلاقية، فالانتخابات، في نظره، لا تؤدي دورها الديمقراطي إلا إذا اقترنت بقيم الصدق، والنزاهة، وخدمة الصالح العام، وهو ما يجعل الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات، بل ثقافة سياسية وسلوكًا جماعيًا.
ثالثاً: الدولة الحديثة والانتخابات: قراءة مقارنة
في السياق المقارن، يبرز إساياس كاراسكو (Isaias Carrasco) كأحد المفكرين الذين ركزوا على العلاقة بين الانتخابات وبناء المجال العمومي في الدولة الحديثة، فهو يرى أن الانتخابات تصبح بلا معنى حين تُجرَّد من شروط التعددية الحقيقية وتكافؤ الفرص، إذ تتحول الدولة حينها إلى “جهاز إداري لإدارة السلطة” بدل أن تكون فضاءً سياسياً للتنافس والاختلاف.
أما المهدي المنجرة، فيقدم نقدًا جذريًا لما يسميه “الديمقراطية الموجهة”، معتبرًا أن كثيرًا من التجارب الانتخابية في العالم الثالث تُفرَغ من مضمونها بفعل التبعية، والضغوط الخارجية، وهيمنة النخب المرتبطة بالنظام العالمي. وفي هذا السياق، يرى أن الانتخابات الشكلية لا تنتج كرامة سياسية، بل تعمق الإحساس بالإهانة وفقدان السيادة، وهو ما يفسر تنامي اللامبالاة السياسية لدى فئات واسعة من المواطنين.
خاتمة: نحو انتخابات تنتج دولة قوية لا سلطة هشة
إن الانتخابات الحرة والنزيهة ليست غاية في ذاتها، بل مدخل أساسي لبناء دولة قوية بشرعيتها، لا بسطوتها، فهي حين تُمارَس في إطار قانوني عادل، وتنافس سياسي حقيقي، وثقافة ديمقراطية حية، تفرز نخبًا مسؤولة، وتعيد بناء الثقة، وتحول الديمقراطية من شعار إلى ممارسة يومية.
أما حين تُختزل في إجراء شكلي، فإنها لا تنتج سوى مؤسسات بلا روح، وسلطة بلا شرعية، ودولة عاجزة عن تمثيل مجتمعها.