أصدرت الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الأطلس المجالي الترابي للانقطاع الدراسي تحليل مسار فوج 2014 - 2018 والخرائطية الإقليمية، تقريرا جد مركز يصعب الحديث عنه في مقالة قصيرة مثل هذه ؛
لكن رغبة في فتح نقاش حول هذا الموضوع دفعتنا لإثارة بعض النقط التي تحتاج مراجعةً وتدقيقاً من لدن اللجنة الوطنية، ألا وهي أسباب ارتفاع هذه الآفة التي تزيد من إرهاق الدولة والمجتمع التربوي. لكن قبل ذلك، لابد من ذكر النقط الأساسية التي تطرق لها الأطلس، مع الإشارة هنا إلى أن هذه الدراسة تعتبر أول أطلس ينجز حول الانقطاع الدراسي بالمغرب قدم خرائطية دقيقة حول هذا الموضوع، مستغلة لأول مرة المعطيات الفردية للتلاميذ الموجودين في قاعدة بيانات المنصة المعلوماتية التي وضعتها وزارة التربية الوطنية للتدبير المدرسي"مسار" (MASSAR) بكل مؤسسات التعليم العمومية والخصوصية، من سلك التعليم الأولي إلى سلك التعليم الثانوي التأهيلي.
لا شك أن قراءة متأنية لهذه الدراسة تدفع القارئ إلى طرح تساؤلات هامة، من قبيل:
- ماذا بعد التشخيص والوصف؟
- ما الأسباب الحقيقية لهذه الآفة؟
- ما درجة مسؤولية وزارة التربية الوطنية في هذا الصدد؟
إنها تساؤلات يمكن التفاعل معها كالآتي:
- من المعلوم أن المجلس الأعلى وضع الرؤية الاستراتيجية 2015/2030، التي قد تشفع له تتبع مدى تحقيق محاورها ورافعاتها، وبالتالي ليس بالضرورة تفصيل أسباب كل تأخر أو تقدم، لكن في اعتقادي لابد من التركيز على الأسباب، باعتبار تتبع أي مشروع وتقويمه يقتضيان التوقف بين الفينة والأخرى لمعرفة درجة تقدمه أو تعثره، وأسباب ذلك والبحث عن حلول لدعمه وتطويره. فالمجلس يقوم سيرورة رؤيته، وتعتبر تقاريره مراجعة لخطط مشروعه من أجل التجويد والتوجيه؛
- برجوعنا لمضمون الأطلس نجد الفقرة الآتية: "...وما دمنا لم نقض على الأسباب الرئيسية للانقطاع الدراسي، أو لم نتحكم فيها على الأقل، (كرسوب الطفل نتيجة تدني مستوى التعليم، وصعوبة ولوج المدرسة في الوسط القروي، وفقر
الأسر..)، فإننا سنعاين باستمرار، كل سنة، نزيفا حقيقيا لمنظومة التربية والتكوين" لذا وجب البحث عن هذه الأسباب التي يشير إليها التقرير في فقرات التحليل الإجمالي:
-- تحليل وفق سلك التعليم: إن تحليل الانقطاع الدراسي وفق الأسلاك التعليمية بين أن أغلبية الانقطاعات تحدث في السلك الأساسي بـ % 78.3 من مجموع التلامذة المنقطعين، أي حوالي 338000 انقطاع في السلكين الابتدائي والإعدادي، وهما سلكا التمدرس الإجباري اللذان يفترض فيهما المحافظة على التلامذة في المدرسة إلى نهاية السلك الإعدادي على الأقل، ولم يتحدث المجلس عن أسباب ذلك.
-- تحليل حسب المستوى التعليمي: تصل نسبة الانقطاع حسب المستوى التعليمي إلى الأقصى في الأقسام النهائية في الأسلاك التعليمية المختلفة (السنة السادسة للتعليم الابتدائي سنة 2018 وصلت % 12,4، الإعدادي% 19,3 و التأهيلي% 17,1). وهنا تحدث المجلس عن الأسباب، عكس باقي أنواع التحليل، يفسر"منها العرض المحدود على مستوى التعليم الإعدادي والثانوي التأهيلي في المناطق القروية، والتأخر الناتج عن ارتفاع السن المتراكم نتيجة التكرارات المتتالية، وأسباب أخرى عائلية كالفقر.
-- تحليل حسب الوسط: سجل التقرير تقاربا في كل الأسلاك التعليمية مجتمعة: (% 7,3 في الوسط الحضري، و% 7,5 في الوسط القروي سنة 2018). لكن التحليل الدقيق وفق الأسلاك التعليمية الثلاثة، وحسب الوسط، يظهر أن الانقطاع الدراسي في سلكي الابتدائي والثانوي الإعدادي يمس الوسط القروي أكثرمن الوسط الحضري. ففي سنة 2018 بلغت نسبة الانقطاع الدراسي في التعليم الابتدائي % 4,8 في الوسط القروي، مقابل % 2,2 فقط في الوسط الحضري. وأسوأ من ذلك، فإن نسبة الانقطاع الدراسي في السنة السادسة ابتدائي في الوسط القروي تعد من أعلى النسب المسجلة في هذا السلك (18,1%)، مقارنة مع النسبة المسجلة في الوسط الحضري (% 5,9). وفي كل الأحوال، فقد سجل المجلس في تقريره تفاوتا في نسب الانقطاع الدراسي، وهو تفاوت في غير صالح الوسط القروي في سلكي التعليم الإجباري. ولم يذكر الأسباب الأساسية في ذلك.
-- تحليل وفق النوع: من الطبيعي أن يسجل تحليل الانقطاع الدراسي وفق النوع أن الإناث يستمرن أكثر من الذكور في سلك التعليم الثانوي. حيث غادر % 11 ,6 من الإناث سلك الثانوي الإعدادي، و% 8,8 منهن غادرن سلك الثانوي التأهيلي، في الوقت الذي بلغت تلك النسب عند الذكور % 16,6 في الإعدادي، و % 11 ,9 في الثانوي التأهيلي. وعلى العكس من ذلك، تتعرض الإناث إلى الانقطاع الدراسي أكثر من الذكورفي التعليم الابتدائي: % 3,9 من الإناث، مقابل % 3,4 من الذكور. ويشكل مستوى السادسة ابتدائي حاجزا صريحا أمام الإناث، ويحول دون انتقالهن إلى سلك التعليم الثانوي الإعدادي، حيث تتخلى14,6% منهن عن الدراسة في هذا المستوى، مقابل % 10,4 بالنسبة للذكور. أما في نهاية السلكين الإعدادي والتأهيلي، فإن الذكور هم الذين يسجلون أعلى نسب للانقطاع عن الدراسة، وبالتالي فالانقطاع مبكر بالنسبة للإناث ومتأخر أكثر بالنسبة للذكور. هذا، ونسجل الملاحظة نفسها (لم يشر التقرير للأسباب).
-- تحليل وفق طبيعة المؤسسة: صحيح طبيعة المدرسة تحدد درجة حظوظ التلميذ للاستمرار في الدراسة، وهو ما خلص إليه تحليل وفق طبيعة المؤسسة؛ ففي التعليم الابتدائي، بشكل خاص، سجلت المدارس الفرعية سنة 2018 انقطاعا دراسيا بلغت نسبته 5,6% ، متبوعة بالمدارس الجماعاتية بـ % 5,4، وهي المدارس التي صرفت عليها الدولة ملايين الدراهم، ثم مركزية المجموعة المدرسية بـ % 4,1 ، والأكل انقطاعا هي المدارس المستقلة بنسبة % 2,2 فقط، وبالتالي فالمدارس الفرعية والجماعاتية أكثر عرضة للانقطاع من المدارس المستقلة. ونسجل، هنا، سكوت المجلس مرة أخرى عن الأسباب.
-- تحليل الانقطاع الدراسي وفق المجالات الترابية: يبين تحليل الانقطاع الدراسي، في كل أسلاك التعليم العمومي مجتمعة في سنة 2018، أن الأقاليم الجنوبية وجهتي درعة - تافيلالت وسوس- ماسة تأتي في أسفل الترتيب، بنسب الانقطاع الأكثر انخفاضا على الصعيد الوطني (على التوالي % 5,09 و % 6,39). في حين نجد جهات مراكش–أسفي، وطنجة-تطوان-الحسيمة، وبني ملال-خنيفرة، والرباط-سلا-القنيطرة، والجهة الشرقية، فهي الجهات الأكثر تأثرا بالانقطاع الدراسي في الأسلاك التعليمية الثلاثة (من % 7,42 إلى % 7,86 ). أما جهتا فاس-مكناس والدار البيضاء-سطات، فإنهما تتموقعان في الوسط (% 6,87 و% 7,2 على التوالي (.، ونسجل كذلك عدم تطرق المجلس للأسباب الحقيقية.
يستخلص من هذه الفقرات أن التقرير لم يذكر الأسباب ليتمكن من يهمه الأمر بالتصدي لها، وبالتالي فسيبقى السؤال الأول عالقا، ماذا بعد التقارير التحليلية؟
أما عن درجة مسؤولية وزارة التربية الوطنية في هذا الصدد، فلم يجبنا التقرير، مما يعطي لكل قارئ التكهن بما يراه صوابا، رغم أن التقرير حمل الدولة المسؤولية ضمنيا ودافع عنها نسبيا بقوله "قد يكون من المجحف أن ننكر ما بذلته الدولة من مجهودات، وما وضعته من أجهزة من أجل الحد من الانقطاع الدراسي، وخاصة في سلكي التعليم الإجباري. فقد حاولت السلطات العمومية، من خلال برامج الدعم الاجتماعي المتنوعة (مطاعم مدرسية، ومنح، وداخليات، وبرنامج تيسير) الحد، قدر المستطاع، من الانقطاع الدراسي، وتحسين ظروف تعلم التلامذة، وخاصة في الأوساط الهشة والمحرومة، ومع ذلك، فإن أثر تلك البرامج يبقى محدودا، كما أن مشكلة الاستهداف الحالية، المرتبطة بتلك الأجهزة، لا تمكن دائما من الوصول إلى الفئات المعرضة، أكثر من غيرها للانقطاع، ما دامت تقوم على المعايير المرتبطة بالمستوى الجماعاتي وليس بالمستوى الفردي". وعليه، فمشكلة الانقطاع الدراسي مسؤولية الحكومات المتعاقبة.
نشرت هذه المقالة في جريدة الأحداث المغربية يوم 30 يناير 2020