التفتيش التربوي هو حجر الزاوية في تنظيم التعليم الحديث. رغم أنه اليوم مرتبط بمفاهيم الجودة والتقييم، فإن جذوره تعود إلى القرن التاسع عشر، عندما بدأ عدد من الدول الأوروبية في تطوير أجهزة مركزية لتنظيم المدارس وتوحيد التعليم. هذا المقال يستعرض البدايات التاريخية للتفتيش، مع تقديم أمثلة حية من أول المفتشين الفرنسيين والبريطانيين.
بدايات التفتيش التربوي في القرن التاسع عشر
إذا صح قول أن المدرسة ظهرت في القرن 17–18، حيث بدأ تدريب المعلمين وتعليم الأطفال بشكل منتظم، غالبًا تحت إشراف الكنيسة أو جمعيات خيرية، وكان الهدف: القراءة، الحساب، الدين، والانضباط، فإن ظهور التفتيش التربوي المركزي (Educational Inspection / Inspectio Educationis) مع الدولة الحديثة، في بداية القرن 19، حيث بدأ تنظيم المدارس جميعها ووضع المعايير الموحدة، بما في ذلك تقييم أداء المعلمين.
وبالتالي فقبل القرن التاسع عشر، كانت المدارس في أوروبا تعمل غالبًا بشكل مستقل تحت إشراف الكنيسة أو المجتمعات المحلية، دون وجود نظام مركزي يراقب جودة التعليم أو يفرض معايير موحدة على المعلمين، لكن التحولات الكبرى في أوروبا، خاصة الثورة الصناعية وبروز الدولة الحديثة، دفعت الحكومات إلى إدراك أن التعليم ليس مجرد نشاط اجتماعي أو ديني، بل أداة أساسية لبناء الدولة وتكوين مواطنين قادرين على العمل والمشاركة في الحياة العامة (Kallio & Kivirauma, 2001).
في هذا السياق، ظهر مفهوم التفتيش التربوي (Educational Inspection / Inspectio Educationis) لأول مرة بشكل منظم، تُعد فرنسا من أوائل الدول التي أنشأت جهازًا رسميًا للتفتيش، ففي بداية القرن التاسع عشر، وخلال إصلاحات التعليم في عهد نابليون بونابرت، تم إنشاء جهاز مركزي لمراقبة المؤسسات التعليمية بهدف توحيد البرامج الدراسية وضمان التزام المدارس بالسياسة التعليمية الوطنية (Prost, 1968).
وفي عام 1802، تم تعيين أول مجموعة من المفتشين العامين (Inspecteurs Généraux / General Inspectors)، الذين كانت مهمتهم زيارة المدارس، مراقبة عمل المعلمين، ورفع تقارير إلى الحكومة حول مستوى التعليم، ساعد هؤلاء المفتشون في بناء نظام مركزي للتعليم أصبح لاحقًا نموذجًا اقتدت به دول أوروبية أخرى (Bougarel, 1995).
أمثلة واقعية عن أول المفتشين
من بين أول المفتشين الفرنسيين كان جان باتيست لامبرت (Jean-Baptiste Lambert)، الذي اشتهر بدقته في تنظيم المدارس واهتمامه بتوحيد طرق التدريس بين مختلف المؤسسات. كان لامبرت يزور المدارس بنفسه، يجلس مع المعلمين، يناقش طرق تدريس القراءة والكتابة، ثم يكتب توصيات عملية لتحسين جودة التعليم. وقد وثقت مذكراته كيف كان يواجه مقاومة بعض المعلمين الذين اعتادوا على العمل بحرية، لكنه استطاع تدريجيًا تحويل هذه الزيارات إلى فرص لتطوير الممارسة التعليمية بدلًا من كونها مجرد رقابة (Prost, 1968).
في بريطانيا، كان تشارلز بويس (Charles Buist) من بين أول مفتشي مدارس جلالة الملك (Her Majesty’s Inspectors – HMI / Inspectores Regiae Majestatis). كان يركز على الانضباط والتنظيم في الصفوف الدراسية (Discipline and Classroom Organization / Disciplina et Ordinatio Classis)، لكنه أيضًا كان يسجل الملاحظات التي تساعد المعلمين على تحسين طرق تدريس الرياضيات والقراءة، وصف بويس في تقاريره كيف أن زيارة المفتش يمكن أن تكون تجربة تعليمية لكل من المعلم والتلميذ، وليس مجرد تقييم للأداء (Harrison, 1992).
بعد فرنسا، بدأت بريطانيا تطوير نظام التفتيش التربوي بشكل أوسع. كان المفتشون يزورون المدارس ويقيّمون طرق التدريس، مستوى التلاميذ، وتنظيم المؤسسة التعليمية، ثم يرفعون تقارير إلى الحكومة لتحديد مدى نجاح النظام التعليمي، ومع مرور الوقت أصبح التفتيش التربوي أداة أساسية لإدارة التعليم، إذ ساعد على تقييم أداء المعلمين وتحديد احتياجات التدريب.
خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ هذا النظام ينتشر في دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وهولندا وألمانيا، كثير من هذه الدول استلهم النموذج الفرنسي أو البريطاني عند إنشاء أجهزة التفتيش الخاصة بها (Green, 1990).
لكن التفتيش في تلك الفترة لم يكن رقابة بالمعنى الحديث، بل كان تنظيمًا وإرشادًا (Organization and Guidance / Ordinatio et Consilium)، يهدف إلى توحيد المناهج ومراقبة جودة التعليم بشكل غير عقابي، كان المفتش يزور الفصل الدراسي، يراقب طرق التدريس، ويكتب تقريرًا يوضح نقاط القوة والضعف، وهو ما ساعد الحكومات على تنظيم التعليم وتوحيد معاييره في وقت كانت الأنظمة التعليمية لا تزال في طور التشكّل (Cuban, 1984).
بهذه الطريقة، وضع القرن التاسع عشر الأسس الأولى لفكرة أن التعليم يحتاج إلى نظام تقييم ومراقبة (Evaluation and Monitoring System / Systema Aestimandi et Vigilandi)، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقًا بشكل كبير في القرن العشرين (Boli & Ramirez, 1987).
بقلم عبد الرزاق بن شريج، تطور التفتيش التربوي: من النشأة إلى النماذج الحديثة (لجزء الأول)، بدايات التفتيش التربوي: تنظيم المدارس في القرن التاسع عشر.