بعد أن بيّنا في الحلقة السابقة كيف تحوّل التفتيش التربوي خلال القرن العشرين من وظيفة رقابية إلى ممارسة أقرب إلى الإشراف التربوي (Educational Supervision / Supervisio Educativa)، يتضح أن هذا التحول لم يكن موحدًا داخل أوروبا. فقد تشكّلت أنظمة التفتيش وفق مسارات تاريخية مختلفة، تعكس طبيعة الدولة وبنيتها السياسية، وهو ما يفسر تنوع نماذج الإشراف التربوي بين المركزية الصارمة، والمساءلة المؤسسية، واللامركزية الإدارية.
النموذج الفرنسي: التفتيش في خدمة الدولة المركزية
ارتبط نشوء التفتيش التربوي في فرنسا منذ القرن التاسع عشر بمشروع بناء الدولة الحديثة، حيث اعتمدت السلطة المركزية جهازًا قويًا لضبط التعليم وتوحيده (Prost, 1968). وقد استمر هذا التوجه خلال القرن العشرين، مع تطوير وظائف المفتش لتشمل، إلى جانب المراقبة، مهام التقييم والتوجيه التربوي.
ويقوم هذا النموذج على جهاز التفتيش العام (Inspection générale)، المنظم بموجب نصوص تنظيمية صادرة عن وزارة التربية الوطنية، والتي تحدد مهام كل من:
- مفتشي التعليم الابتدائي (Inspecteur de l’Éducation nationale)
- المفتشين التربويين الإقليميين (Inspecteurs pédagogiques régionaux)
ويعكس هذا التنظيم تمييزًا واضحًا بين مستويات التفتيش، حيث يتولى مفتشو التعليم الابتدائي الإشراف العام على مختلف المواد داخل نطاق جغرافي محدد، في حين يعتمد التعليم الثانوي على مفتشي تخصصات يشرف كل منهم على مادة دراسية بعينها، وهو تنظيم يرتبط تاريخيًا بطبيعة الدولة المركزية وسعيها إلى توحيد الممارسات التربوية (Green, 1990).
النموذج البريطاني: من التفتيش إلى ثقافة المساءلة
تطور نظام التفتيش في بريطانيا في سياق مختلف، اتسم بمرونة مؤسسية أكبر مقارنة بالنموذج الفرنسي. فقد اضطلع جهاز مفتشي جلالة الملك (Her Majesty’s Inspectors – HMI) بدور محوري في مراقبة التعليم، قبل أن يشهد تحولًا عميقًا خلال أواخر القرن العشرين.
وقد شكّل قانون التعليم لسنة 1992 (Education Act 1992) نقطة تحول أساسية، حيث تم إحداث هيئة مكتب معايير التعليم (Office for Standards in Education – Ofsted)، التي أسندت إليها مهمة تقييم جودة التعليم بشكل دوري.
وبذلك انتقل التفتيش من التركيز على الانضباط المدرسي إلى تقييم أداء المؤسسات التعليمية ككل، من خلال تقارير علنية تسهم في تعزيز الشفافية وتحسين جودة التعلم (Harrison, 1992؛ Maclure, 2000).
النموذج الألماني: الإشراف في سياق فيدرالي
يتميز النظام الألماني بخصوصية نابعة من بنيته الفيدرالية، حيث تتولى كل ولاية مسؤولية تنظيم التعليم، بما في ذلك جهاز التفتيش. ولهذا لا يوجد قانون وطني موحد ينظم التفتيش، بل يتم ذلك عبر قوانين تعليمية خاصة بكل ولاية.
ويعرف هذا النظام باسم الإشراف المدرسي (Schulaufsicht / Supervision scolaire)، وهو يشمل مهامًا إدارية وتربوية تهدف إلى ضمان احترام القوانين وتحسين جودة التدريس (Green, 1990).
ويعكس هذا التنظيم اللامركزي تصورًا مختلفًا لدور الدولة في التعليم، حيث يمنح المؤسسات التعليمية والجهات المحلية هامشًا أوسع من الاستقلالية مقارنة بالنموذج الفرنسي.
قراءة مقارنة: مسارات تاريخية متباينة
تكشف هذه النماذج الأوروبية عن ثلاث مسارات تاريخية رئيسية في تطور التفتيش التربوي:
- المسار المركزي: كما في فرنسا، حيث يشكل التفتيش أداة لضبط النظام التعليمي وتوحيده
- مسار المساءلة: كما في بريطانيا، حيث يرتبط التفتيش بتقييم الأداء وضمان الجودة
- المسار اللامركزي: كما في ألمانيا، حيث يتم توزيع مهام الإشراف على المستوى الجهوي
ورغم هذا التباين، فإن هذه النماذج تشترك في انتقالها التدريجي من منطق الرقابة إلى منطق الإشراف التربوي، وهو ما تؤكده أيضًا بعض الدراسات المقارنة في السياق المغربي (غريب، 2012).
خاتمة تمهيدية
وإذا كانت النماذج الأوروبية قد تطورت في سياقات تاريخية متباينة، فإن التجارب الآسيوية، وخاصة اليابان، ستقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على الإشراف التعاوني داخل المؤسسة التعليمية، وهو ما سنعرض له في الحلقة المقبلة.
مراجع عربية:
- عبد الكريم غريب (2012). التفتيش التربوي بالمغرب: الأدوار والتحولات. الدار البيضاء: منشورات تربوية.
- عبد الكريم، محمد (2015). الإشراف التربوي الحديث وأساليب تطوير التعليم. عمان: دار المسيرة.
مراجع أجنبية:
- أنطوان بروست (Antoine Prost) (1968). تاريخ التعليم في فرنسا. باريس: أرمان كولان.
- آندي غرين (Andy Green) (1990). التعليم وبناء الدولة. لندن: ماكميلان.
- براين هاريسون (Brian Harrison) (1992). دور مفتشي جلالة الملك في التعليم. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.
- سالي ماكلور (Sally Maclure) (2000). التفتيش والمفتشون في التعليم. لندن: روتليدج.
عبد الرزاق بن شريج، تطور التفتيش التربوي: من النشأة إلى النماذج الحديثة (الجزء الثالث)، النماذج الأوروبية للتفتيش التربوي: بين المركزية والمساءلة واللامركزية