الجزء العاشر: بعد تحليل نماذج عربية اتجهت تدريجيًا نحو تنظيم الإشراف التربوي وتحديث وظائفه، كما في حالتي سلطنة عمان والأردن، يبرز النموذجان السعودي والكويتي بوصفهما مرحلتين متقدمتين نسبيًا في مسار إعادة هيكلة الإشراف التربوي داخل سياق أوسع يرتبط بتحديث الإدارة التعليمية وربطها بمنطق الجودة والحكامة وتطوير الأداء المؤسسي.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بتغيير تسمية “التفتيش” أو “الإشراف”، بل بإعادة إدماج هذه الوظيفة داخل مشاريع إصلاح تربوي شاملة، ارتبطت في دول الخليج العربي بإعادة تنظيم الإدارة العمومية، وتطوير أنظمة التقويم، وربط التعليم بأهداف التنمية الوطنية.
وفي هذا السياق، تكشف تجربتا المملكة العربية السعودية والكويت عن مسارين مختلفين نسبيًا:
• مسار يتجه نحو ربط الإشراف بالحكامة والجودة التعليمية؛
• ومسار يحافظ على مركزية التوجيه الفني التخصصي داخل المنظومة التربوية.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الحلقة إلى تحليل التحولات التي عرفها الإشراف التربوي في هذين النموذجين، من خلال دراسة الأطر التنظيمية، ووظائف الإشراف، وطبيعة العلاقة بين التأطير المهني والتقويم الإداري داخل كل سياق.
أولًا: المملكة العربية السعودية — الإشراف التربوي في سياق التحول المؤسسي
1- التحول من التفتيش إلى الإشراف التربوي
عرفت الإدارة التربوية في المملكة العربية السعودية تحولات تدريجية في تنظيم وظيفة الإشراف التربوي، ارتبطت بتوسع النظام التعليمي وتطور أجهزة وزارة التعليم. وقد انتقل التنظيم التربوي من نموذج يقوم أساسًا على المتابعة الإدارية والتفتيش التقليدي، إلى نموذج يعتمد مفهوم “الإشراف التربوي” باعتباره أداة للتطوير المهني وتحسين الأداء المدرسي.
وقد تعزز هذا التحول منذ نهاية القرن العشرين، مع توسع مشاريع تطوير التعليم، ثم بشكل أوضح في سياق الإصلاحات المرتبطة بـ رؤية السعودية 2030، التي أُطلقت سنة 2016 باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا لإعادة هيكلة الاقتصاد والإدارة والخدمات العمومية، بما فيها قطاع التعليم.
وفي هذا الإطار، أصبح تحسين جودة التعلم، وتطوير الكفايات المهنية، ورفع نجاعة الأداء المدرسي، من المرتكزات الأساسية للسياسات التعليمية، وهو ما انعكس على إعادة تنظيم الإشراف التربوي وربطه ببرامج التطوير المهني والتقويم والجودة.
وفي هذا السياق، تشير الأدبيات التربوية الخليجية إلى أن التحول في مفهوم الإشراف ارتبط بإعادة تعريف وظيفة المدرسة نفسها، من مؤسسة للتلقين الإداري إلى فضاء لتحسين التعلم ورفع الكفايات المهنية للمعلمين (الخطيب، 2015).
2- الإطار التنظيمي للإشراف التربوي
يُنظم الإشراف التربوي داخل وزارة التعليم السعودية ضمن هيكلة إدارية رسمية تشمل:
• الإدارة العامة للإشراف التربوي؛
• إدارات التعليم الجهوية؛
• مكاتب التعليم المحلية.
وتحدد الأدلة التنظيمية الصادرة عن وزارة التعليم مهام المشرف التربوي في:
• متابعة الأداء التعليمي؛
• تنفيذ الزيارات الصفية؛
• دعم المعلمين مهنيًا؛
• المشاركة في التدريب أثناء الخدمة؛
• الإسهام في تحسين نواتج التعلم.
كما تعتمد الوزارة أدلة إجرائية وتنظيمية تحدد اختصاصات المشرفين وآليات اشتغالهم داخل المؤسسات التعليمية، بما يعكس توجهًا نحو تقنين الوظيفة وربطها بأهداف تطوير الأداء المدرسي.
ويُظهر هذا التنظيم اتجاهًا نحو ربط الإشراف التربوي بمنظومة التطوير المدرسي والحكامة التعليمية، مع استمرار النقاش داخل الأدبيات التربوية حول حدود العلاقة بين الوظيفة الإشرافية المستقلة والبنية الإدارية التدبيرية.
3- الإشراف التربوي في سياق الجودة والحكامة
من أبرز التحولات التي عرفها النموذج السعودي انتقال الإشراف التربوي نحو الارتباط بمنطق الجودة التعليمية والحكامة المؤسسية.
فقد أصبح الإشراف مرتبطًا بـ:
• مؤشرات الأداء المدرسي؛
• تقويم نواتج التعلم؛
• تحسين الكفايات المهنية؛
• متابعة تنفيذ الخطط التعليمية؛
• دعم التقويم المدرسي.
ويعكس هذا التوجه انتقالًا تدريجيًا من التركيز على مراقبة أداء المعلم بشكل فردي، إلى الاهتمام بالأداء المؤسسي للمدرسة ككل.
وفي هذا الإطار، تشير بعض الدراسات التربوية السعودية إلى أن وظيفة المشرف التربوي أصبحت أقرب إلى “القيادة الداعمة للتطوير”، مع استمرار حضور الوظائف التقويمية والتنظيمية داخل المنظومة (العجمي، 2018).
4- قراءة تحليلية
تكشف التجربة السعودية عن تحول مهم في موقع الإشراف التربوي داخل النظام التعليمي، حيث أصبح الإشراف التربوي يُقدَّم، في إطار الإصلاحات الحديثة، بوصفه آلية لدعم التطوير المدرسي وتحسين الأداء، إلى جانب وظائفه التقويمية التقليدية.
ويعكس هذا التحول إعادة تنظيم العلاقة بين:
• التقويم؛
• التطوير المهني؛
• إدارة الأداء التعليمي.
وبالتالي، فإن النموذج السعودي يُظهر محاولة لإعادة تعريف الإشراف التربوي داخل مشروع تحديث مؤسسي شامل، مع استمرار حضور البنية المركزية للدولة في توجيه السياسة التعليمية وتدبيرها.
ثانيًا: الكويت — التوجيه الفني بين التخصص والتطوير المهني
1- الإطار التنظيمي للتوجيه الفني
تعتمد الكويت تسمية “التوجيه الفني” داخل تنظيمها التربوي الرسمي، وهي تسمية تعكس خصوصية تاريخية ومؤسساتية مختلفة نسبيًا عن مفهوم “الإشراف التربوي” المعتمد في عدد من الدول العربية الأخرى.
ويُنظم التوجيه الفني داخل وزارة التربية الكويتية عبر:
• التوجيهات الفنية العامة؛
• التوجيهات الفنية للمواد الدراسية؛
• الموجهين الأوائل؛
• الموجهين الفنيين.
ويقوم هذا التنظيم على مبدأ التخصص، حيث يرتبط التوجيه الفني بكل مادة دراسية على حدة، بما يجعل التأطير التربوي مرتبطًا أساسًا بالكفايات العلمية والبيداغوجية الخاصة بكل تخصص.
2- الوظائف المهنية للتوجيه الفني
تتمثل وظائف التوجيه الفني في:
• متابعة أداء المعلمين؛
• تحسين طرق التدريس؛
• المشاركة في تطوير المناهج؛
• تنظيم التدريب التربوي؛
• تقويم الأداء الفني داخل المؤسسات التعليمية.
كما يضطلع الموجه الفني بدور أساسي في نقل التعليمات التربوية ومتابعة تنفيذها داخل المؤسسات، مع حضور واضح للزيارات الصفية والتقارير الفنية.
وتشير الأدبيات التربوية الكويتية إلى أن هذا النموذج حافظ على البعد الفني التخصصي بوصفه جوهر وظيفة التوجيه، مع تطوير نسبي للأدوار المرتبطة بالتكوين المستمر وتحسين الأداء المهني (الهاجري، 2016).
3- التوجيه الفني بين التأطير والتقويم
رغم التطور الذي عرفته وظائف التوجيه الفني، فإن العلاقة بين التأطير المهني والتقويم الإداري ما تزال تشكل أحد التحديات الأساسية داخل هذا النموذج.
فمن جهة، يُنتظر من الموجه الفني أن يؤدي دورًا داعمًا لتطوير المعلمين وتحسين الممارسات الصفية؛
ومن جهة أخرى، يحتفظ بدور تقويمي يرتبط بمتابعة الأداء ورفع التقارير الفنية.
ويعكس هذا الوضع استمرار التوازن التقليدي بين:
• وظيفة الدعم المهني؛
• ووظيفة المتابعة الإدارية.
4- قراءة تحليلية
يُظهر النموذج الكويتي خصوصية واضحة داخل السياق الخليجي، تتمثل في الحفاظ على مركزية “التوجيه الفني التخصصي” بوصفه أساس التنظيم التربوي.
فالإصلاح هنا لم يتجه أساسًا نحو بناء منظومة إشراف مؤسسي شاملة، بقدر ما ركز على تطوير آليات التأطير الفني داخل كل تخصص دراسي.
وبالتالي، فإن هذا النموذج يبدو أقرب إلى: “الإشراف الفني المتخصص”، منه إلى:
“الحكامة التعليمية الشاملة” التي تركز على الأداء المؤسسي العام للمدرسة.
قراءة مقارنة: بين الحكامة والإشراف الفني
تكشف المقارنة بين التجربتين السعودية والكويتية أن التحول في وظيفة الإشراف التربوي داخل السياق الخليجي لم يتخذ مسارًا موحدًا، رغم اشتراك النظامين في السعي إلى تحديث الإدارة التعليمية وربطها بتحسين جودة التعليم.
ففي الحالة السعودية، ارتبط تطوير الإشراف التربوي بمشروع مؤسسي واسع لإعادة تنظيم الإدارة التعليمية وفق منطق الحكامة والجودة وقياس الأداء، حيث أصبح الإشراف جزءًا من منظومة تطوير المدرسة وتقويم نواتج التعلم.
أما في الحالة الكويتية، فقد ظل التركيز منصبًا على التوجيه الفني التخصصي، مع إعطاء أهمية كبيرة للمتابعة البيداغوجية المرتبطة بالمادة الدراسية، وهو ما حافظ على الطابع الفني المهني للتوجيه داخل المنظومة التعليمية.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن النموذجين يعكسان مسارين مختلفين نسبيًا:
• مسار يربط الإشراف بالحكامة التعليمية وتدبير الأداء المؤسسي؛
• ومسار يركز على التأطير الفني التخصصي وتحسين الممارسة الصفية.
غير أن كلا النموذجين يشتركان في انتقالهما التدريجي من التفتيش التقليدي إلى صيغ أكثر تنظيمًا للإشراف والتوجيه التربوي.
خلاصة تمهيدية
يُبرز تحليل التجربتين السعودية والكويتية أن تطور الإشراف التربوي في السياق الخليجي ارتبط بمسارات أوسع لتحديث الإدارة التعليمية وإعادة تنظيم وظائف المدرسة.
فإذا كانت السعودية قد اتجهت نحو إدماج الإشراف داخل منظومة الحكامة والجودة التعليمية، فإن الكويت حافظت على مركزية التوجيه الفني التخصصي بوصفه أداة أساسية للتأطير التربوي.
ويؤكد ذلك أن تطور الإشراف التربوي لا يرتبط فقط بتغيير البنيات التنظيمية، بل أيضًا بطبيعة التصور الذي تتبناه الدولة لوظيفة المدرسة ولآليات تحسين جودة التعليم.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية النقاش المرتبط بموقع أجهزة الإشراف داخل المنظومة التعليمية، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الاستقلالية المهنية للإشراف وبين البنيات الإدارية المكلفة بتدبير النظام التعليمي.
وفي الحلقة المقبلة، سيتم الانتقال إلى دراسة حالة المغرب، بوصفها تجربة تمتلك تقاليد تاريخية راسخة في التفتيش التربوي، مع ما يرافق ذلك من تحولات قانونية ومؤسساتية مرتبطة بأسئلة التقويم، والتأطير، والحكامة التربوية الحديثة.
المراجع المعتمدة
1. أحمد الخطيب (2015). الإدارة التربوية المعاصرة. عمان: دار المسيرة.
2. العجمي محمد (2018). الإشراف التربوي وتطوير الأداء المدرسي في السعودية. الرياض: مكتبة الرشد.
3. الهاجري عبد الله (2016). التوجيه الفني في النظام التعليمي الكويتي: الوظائف والتحديات. الكويت: مجلة العلوم التربوية.
4. وزارة التعليم السعودية، الدليل التنظيمي للإشراف التربوي.
5. وزارة التربية الكويتية، اللوائح التنظيمية للتوجيه الفني.
6. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) (2013). Teachers for the 21st Century. Paris: OECD Publishing.
عبد الرزاق بن شريج