المهدي المنجرة: السوسيولوجيا النقدية للعولمة وإشكالية التنمية والكرامة في العالم العربي

شخصيات سياسية

مقدمة
يُعدّ المهدي المنجرة (1933–2014) واحدًا من أبرز المفكرين المغاربة والعرب الذين اشتغلوا على تقاطع السوسيولوجيا، والعلاقات الدولية، والدراسات المستقبلية. وتكمن أهمية مشروعه الفكري في كونه لم يقتصر على التحليل الأكاديمي، بل انخرط في نقد بنيوي للعولمة باعتبارها نظامًا لإعادة إنتاج التفاوتات بين الشمال والجنوب (المنجرة، عولمة العولمة، ص. 12).

كما أن فكره يتميز بتركيزه على مفهوم “الكرامة” باعتباره متغيرًا سوسيولوجيًا حاسمًا في تفسير الاستقرار أو الاحتجاج داخل المجتمعات (الجزيرة نت، 2021).
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة فكر المنجرة باعتباره محاولة لبناء سوسيولوجيا نقدية بديلة، تعيد الاعتبار للإنسان باعتباره مركز العملية التنموية، وليس مجرد موضوع لها.

أولا: التكوين السوسيولوجي للمسار الفكري عند المنجرة
تشكلت البنية الفكرية للمهدي المنجرة داخل مسار أكاديمي دولي متعدد المرجعيات، حيث تلقى تكوينه في الولايات المتحدة، ثم اشتغل في مؤسسات دولية مثل اليونسكو، إضافة إلى تدريس العلاقات الدولية في جامعات غربية (موسوعة المعرفة، 2014). هذا التكوين جعله قريبًا من مراكز إنتاج المعرفة العالمية، لكنه في الوقت نفسه أنتج لديه وعيًا نقديًا حادًا بالبنية غير المتكافئة للنظام الدولي (Waterbury, 1970, p. 201).
من منظور سوسيولوجي، يمكن اعتبار تجربة المنجرة نموذجًا لـ”المثقف العابر للمجالات”، الذي يتشكل وعيه النقدي من التوتر بين المعرفة المركزية الغربية وتجربة الهامش الجنوبي.

ثانيا: نقد العولمة بوصفها بنية هيمنة
يرى المنجرة أن العولمة ليست عملية اقتصادية محايدة، بل هي بنية سوسيولوجية لإعادة إنتاج التراتب العالمي، حيث تتحكم مراكز القوة في إنتاج المعرفة والمعايير والقيم (المنجرة، الإهانة في عهد الميغا إمبريالية، ص. 44).
ويذهب إلى أن العولمة تنتج نوعًا من “التوحيد القسري” للأنماط الثقافية، ما يؤدي إلى إضعاف الهويات المحلية وإعادة تشكيل المجتمعات وفق منطق السوق العالمي (Perrault, 1990, p. 78).
سوسيولوجيًا، يمكن فهم هذا الطرح ضمن مقاربة “ما بعد الاستعمار”، حيث يتم تحليل العلاقة بين المركز والأطراف باعتبارها علاقة إنتاج رمزي ومادي غير متكافئ.

ثالثا: الكرامة كمتغير سوسيولوجي في تحليل المجتمع
يشكل مفهوم “الكرامة” عند المنجرة محورًا مركزيًا في تفسير التحولات الاجتماعية. فهو لا ينظر إلى الاحتجاجات الاجتماعية باعتبارها مجرد نتيجة للفقر، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لانتهاك الكرامة الإنسانية (المنجرة، قيمة القيم، ص. 63).
من هذا المنظور، تصبح الكرامة متغيرًا سوسيولوجيًا يربط بين:
• البنية السياسية
• العدالة الاجتماعية
• والاستقرار المجتمعي
وتشير بعض الدراسات إلى أن المنجرة كان من أوائل من ربطوا بين “اللامساواة الرمزية” و”الاضطراب الاجتماعي”، وهو ما يقترب من مقاربات السوسيولوجيا النقدية الحديثة (الجابري، 1997، ص. 211).

رابعًا: التنمية بوصفها إشكالية ثقافية وليست تقنية
ينتقد المنجرة التصور التقليدي للتنمية الذي يختزلها في النمو الاقتصادي أو البنية التحتية. فهو يرى أن الأزمة الأساسية في العالم العربي هي أزمة نموذج معرفي وثقافي قبل أن تكون أزمة موارد (المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، ص. 89).
ومن منظور سوسيولوجي، يطرح المنجرة فكرة أن التنمية هي عملية إعادة إنتاج اجتماعي للقيم والمعرفة، وليست مجرد عملية اقتصادية. لذلك فإن استيراد النماذج التنموية دون مساءلة السياق الثقافي يؤدي إلى إنتاج ما يسميه “التبعية التنموية”.

خامسا: الاستشراف كأداة سوسيولوجية لفهم المستقبل
يؤسس المنجرة لمفهوم “الاستشراف” باعتباره أداة علمية لفهم التحولات الاجتماعية المستقبلية، وليس مجرد تنبؤ. فالاستشراف عنده هو تحليل البنى الاجتماعية الحالية بهدف فهم اتجاهاتها المستقبلية (Lacouture, 1976, p. 112).
ويعتبر أن غياب التفكير الاستشرافي في العالم العربي يؤدي إلى:
• ضعف التخطيط الاستراتيجي
• إعادة إنتاج الأزمات
• التبعية المعرفية
وهنا يتحول الاستشراف إلى أداة سوسيولوجية لفهم علاقة المجتمع بزمنه المستقبلي.

سادسا: أثر فكر المنجرة في السوسيولوجيا العربية
ترك المنجرة أثرًا مهمًا في الفكر السوسيولوجي العربي، خصوصًا في:
• نقد التنمية التقليدية
• تحليل العولمة
• إعادة الاعتبار للثقافة في تفسير الظواهر الاجتماعية
وقد استفاد العديد من الباحثين العرب من أطروحاته في بناء مقاربات نقدية جديدة تتجاوز الاقتصاد السياسي التقليدي نحو سوسيولوجيا ثقافية نقدية (ضريف، 1999، ص. 154).

خاتمة
يمكن القول إن فكر المهدي المنجرة يمثل محاولة لبناء سوسيولوجيا نقدية للعالم المعاصر، تنطلق من الجنوب لتفكيك بنية الهيمنة العالمية. فقد جمع بين التحليل الاستشرافي والنقد الثقافي، وجعل من مفاهيم مثل الكرامة، والعولمة، والتنمية أدوات لفهم التحولات الاجتماعية الكبرى.
وبذلك، فإن أهميته لا تكمن فقط في محتوى أفكاره، بل في كونه أعاد توجيه النظر السوسيولوجي نحو العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الثقافة والتنمية، وبين الإنسان والنظام العالمي.

قائمة المراجع
أولا: كتب المهدي المنجرة
• المنجرة، المهدي. عولمة العولمة.
• المنجرة، المهدي. الإهانة في عهد الميغا إمبريالية.
• المنجرة، المهدي. الحرب الحضارية الأولى.
• المنجرة، المهدي. قيمة القيم.
ثانيا: مراجع سوسيولوجية وفكرية
• محمد عابد الجابري. حفريات في الذاكرة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.
• Lacouture, Jean. Ben Barka. Paris: Seuil, 1976.
• Perrault, Gilles. Notre Ami le Roi. Paris: Gallimard, 1990.
• Waterbury, John. Commander of the Faithful. New York: Columbia University Press, 1970.
ثالثا: مصادر موسوعية وإعلامية
• موسوعة المعرفة، “المهدي المنجرة”، 2014.
• الجزيرة نت، “المهدي المنجرة”، 2021.