بقلم الطاهر كردلاس
لم تكن الأغنية، في أي مرحلة من التاريخ، مجرد وسيلة للترفيه أو استراحة عابرة من عناء الحياة، بل كانت دائمًا مرآةً للتحولات الاجتماعية، وأداةً من أدوات الصراع على الوعي. فالفن، منذ بدايات الحضارة، لم يكن محايدًا؛ إذ إن الكلمة المغناة تستطيع أن تؤسس لقيم الحرية كما تستطيع أن تكرس الخضوع، وأن توقظ الضمير كما تستطيع أن تنومه.
... ولست أكتب هذا من موقع الباحث الذي يراقب الظاهرة من الخارج، بل من موقع جيل عاش تلك التجربة بكل تفاصيلها. فقد كنت، شأن كثير من أقراني، نطرب أيما طرب للأغاني الثورية التي كانت تشق طريقها إلينا رغم الحصار، فنحفظ أغنيات مارسيل خليفة، ونردد بصوت خافت أغنيات الشيخ إمام التي كتب كلماتها أحمد فؤاد نجم، وأحمد قعبور المغني والملحن والممثل اللبناني، والذي سخر فنه للنضال القومي العربي والفلسطيني،
كما كنا ننصت بشغف إلى ناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب وسعيد المغربي، لأنها كانت تمنحنا ما هو أبعد من المتعة؛ كانت تمنحنا إحساسًا بأننا ننتمي إلى زمن يحلم بالتغيير.
ولم تكن تلك الأغاني تُسمع في البيوت فقط، بل كنا نصدح بها في الشوارع والأحياء والمؤسسات، غير أن أصواتنا كانت تمتزج دائمًا بشيء من الحذر. كنا نلتفت يمنة ويسرة قبل أن يرتفع اللحن، لأن المناخ السياسي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان شديد التوتر، وكانت العبارة المتداولة آنذاك: "الحيطان لها آذان"، تختزل شعورًا عامًا بأن الكلمة قد تُحسب على صاحبها، وأن الأغنية قد تتحول، في نظر السلطة، إلى موقف سياسي، بل إلى تهمة.
كان مجرد ترديد بعض المقاطع كافيًا لأن يضع صاحبه تحت دائرة الشبهة، لأن الأغنية الثورية لم تكن تُفهم باعتبارها فنًا فحسب، بل باعتبارها خطابًا مضادًا، يسائل السلطة، ويفضح القهر، ويوقظ الأسئلة المؤجلة. ولهذا اكتسبت تلك الأغاني قوة استثنائية؛ فقد كانت تُغنَّى همسًا، لكنها كانت تُحدث في الوعي ضجيجًا لا تستطيع الرقابة إسكاته.
واليوم، كلما استعدت تلك المرحلة، أدركت أن ما كان يجذبنا إلى تلك الأغاني لم يكن جمال ألحانها وحده، بل صدقها الأخلاقي. لقد كنا نبحث فيها عن وطن أكثر عدلًا، وعن إنسان أكثر كرامة، وعن مستقبل لا يُخاف فيه من قصيدة، ولا يُرتاب فيه من لحن، ولا يُحاكم فيه صوت لأنه اختار أن يغني للحرية بدل أن يغني للنسيان.
ولهذا لم يكن الصراع بين الأغنية الثورية والأغنية العاطفية صراعًا بين لونين موسيقيين، بل بين تصورين للإنسان ولدوره في التاريخ: إنسانٍ يُراد له أن يظل منشغلًا بذاته، وإنسانٍ يُراد له أن يكون فاعلًا في مصير مجتمعه.
ولا يعني ذلك أن الأغنية العاطفية في ذاتها فن ناقص أو عديم القيمة؛ فقد أبدعت الإنسانية روائع خالدة في الحب والحنين والفراق. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الأغنية العاطفية إلى الثقافة السائدة الوحيدة، فتحتل الفضاء الإعلامي، وتغمر الأسواق، وتختزل الإنسان في قلبٍ عاشق، بينما يُغيَّب عقله السياسي ووعيه الاجتماعي. وإبعاده عن قضاياه المصيرية..
ففي كثير من التجارب التاريخية، أدركت بعض الأنظمة أن السيطرة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل أيضًا بإدارة المجال الرمزي، فتُفسح المجال لما يستهلك المشاعر الفردية ويُبعد الاهتمام عن قضايا الحرية والعدالة والمساءلة. هنا يصبح الترفيه، في بعض السياقات، وسيلة لتخفيف التوتر الاجتماعي، ويغدو الفن أحيانًا أداة لإعادة إنتاج السكون والاستكانة، أكثر من كونه أداة لإنتاج الوعي. وليس هذا حكمًا على كل الأغاني العاطفية أو على كل السلطات، بل قراءة لدور يمكن أن يؤديه الفن بحسب السياق الذي يُنتج ويُتداول فيه.
في المقابل، ولدت الأغنية الثورية من رحم الألم الجماعي، ومن حاجة الشعوب إلى لغة تتجاوز الخطب السياسية والبيانات الحزبية. فهي لا تخاطب الفرد بوصفه عاشقًا، بل بوصفه مواطنًا، ولا ترى الوطن خلفيةً رومانسية، بل قضيةً أخلاقية وتاريخية. إنها تحول الإحساس إلى موقف، والموقف إلى فعل، والفعل إلى ذاكرة. ولذلك كانت الأغنية الثورية، عبر التاريخ، أكثر من عمل فني؛ كانت وثيقة مقاومة، ومدرسة للوعي، وسلاحًا رمزيًا في مواجهة الاحتلال والاستبداد والتمييز والظلم الاجتماعي.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تخشى السلطات، في تجارب عديدة، الأغنية التي تطرح الأسئلة الكبرى أكثر مما تخشى الأغنية التي تكتفي بوصف المشاعر الخاصة. فالكلمة التي توقظ الوعي أخطر من الرصاصة التي تصيب الجسد؛ لأن الجسد يلتئم، أما الوعي إذا استيقظ فإنه يعيد تشكيل التاريخ. ومن هنا نفهم لماذا تعرض كثير من الفنانين الملتزمين للملاحقة والمنع والنفي والسجن، بينما حظيت الفنون التي لا تمس المجال العام السياسي منه والاجتماعي بمساحات أوسع من الانتشار.
وقد عبّر الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي عن هذه الفكرة حين تحدث عن الهيمنة الثقافية، أي قدرة السلطة على التأثير في أذواق الناس وتمثلاتهم للعالم، بحيث تصبح السيطرة مقبولة من داخل الثقافة نفسها. ومن هذا المنظور، يغدو السؤال الحقيقي: أي فن يصنع مواطنًا حرًا، وأي فن يكتفي بصناعة مستهلك للمتعة؟
لقد أنجبت التجربة العربية أسماءً صنعت من الأغنية الثورية مدرسة فكرية كاملة. ففي مصر شكّل (الشيخ إمام) مع الشاعر (أحمد فؤاد نجم) ثنائيًا استثنائيًا، لم يكن يغني للسلطة ولا للسوق، بل للإنسان البسيط، وللطالب، وللعامل، وللسجين السياسي، فغدت أغانيهما أناشيد تتناقلها الأجيال لأنها كانت تعبّر عن ضميرها أكثر مما تعبّر عن ذائقتها الموسيقية.
وفي لبنان، حمل (مارسيل خليفة) قصائد محمود (درويش) إلى فضاء الموسيقى، فامتزج الشعر بالمقاومة، وأصبح اللحن امتدادًا للكلمة، وغدت الأغنية الفلسطينية سجلًا حيًا للمنفى والهوية والكرامة.
أما المغرب، فقد شهد ميلاد تجربة فنية استثنائية مع (ناس الغيوان)، التي أعادت للفن وظيفته الاجتماعية، واستثمرت التراث الشعبي والإيقاعات الصوفية والحكمة المتداولة لتبني خطابًا نقديًا عميقًا حول الحرية والعدالة والهوية. ولم تكن أغانيها مجرد ألحان، بل نصوصًا فلسفية بلغة الناس. وعلى النهج نفسه سارت (جيل جيلالة والمشاهب)، كما حافظ فنانون مثل (سعيد المغربي) على حضور الأغنية الملتزمة التي ترى في الفن رسالةً لا سلعة. ولا ننسى سعيدة فكري التي تُعد أيضا من أبرز وجوه الأغنية الملتزمة في المغرب منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.
وعالميًا، تحولت أصوات مثل (جاك بريل فيكتور خارا وبوب ديلان وبوب مارلي وفيكتور خارا، مرسيدس سوسا،، جون بايز، بيت سيغر، وجون لينون وميريام ماكيبا، وفيلا كوتي ووو..) إلى رموز إنسانية، لأنها أثبتت أن الأغنية تستطيع أن تواجه الديكتاتورية والعنصرية والحرب، وأن الفن قد يكون أكثر بقاءً من السلطة نفسها.
إن الفرق بين الأغنية الثورية والأغنية العاطفية ليس فرقًا في الكلمات أو الألحان فقط، بل في الوظيفة الحضارية لكل منهما. فالأغنية العاطفية تنشد خلاص الفرد من وحدته، بينما تنشد الأغنية الثورية خلاص المجتمع من قهره. الأولى تحكي قصة قلب، والثانية تروي قصة شعب. الأولى تنتمي إلى الزمن الشخصي، والثانية إلى الزمن التاريخي. الأولى قد تُنسي الإنسان واقعه لساعات، أما الثانية فتدفعه إلى إعادة النظر في هذا الواقع والسعي إلى تغييره.
ومع ذلك، فإن الفن الحقيقي لا يُقاس بموضوعه وحده، بل بصدقه وجماله وعمقه. فليست كل أغنية ثورية عظيمة، وليست كل أغنية عاطفية سطحية. غير أن المجتمعات التي يغيب عنها صوت الأغنية الملتزمة تفقد أحد أهم فضاءات النقاش العمومي، وتتحول الثقافة فيها تدريجيًا إلى صناعة للاستهلاك بدل أن تكون صناعة للوعي.
إن الأغنية الثورية ليست ماضيًا نتحسر عليه، بل حاجة متجددة كلما واجه الإنسان الظلم أو الاحتلال أو التهميش. إنها تذكّرنا بأن الموسيقى ليست دائمًا ملاذًا للهروب من الواقع، بل قد تكون طريقًا للعودة إليه بوعي أشد، وأن اللحن قد يتحول إلى موقف، والكلمة إلى مقاومة، والصوت إلى ذاكرة لا تستطيع أي سلطة، مهما بلغت قوتها، أن تصادرها. فحين تصمت البنادق، يبقى الغناء شاهدًا على أن الشعوب التي تحفظ أناشيدها لا تموت، لأن الأمم قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تُهزم ما دام صوتها قادرًا على أن يغني للحرية.
أكادير في 2026/7/12