بقلم عبد الرزاق بن شريج
مقدمة عامة
يشكل التفتيش التربوي أحد المكونات الأساسية لمنظومة التربية والتكوين بالمغرب، غير أن وظيفته الحالية لم تتشكل دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة مسار تاريخي طويل ارتبط بتحولات الدولة والمجتمع والمدرسة. فمن آليات المراقبة التقليدية التي عرفتها الكتاتيب والمدارس العتيقة، إلى أجهزة التفتيش التي أفرزتها مرحلة الحماية، ثم إلى هيئات التأطير والتقييم المعاصرة، ظل الإشراف على التعليم يعكس طبيعة الرهانات السياسية والتربوية لكل مرحلة تاريخية.
وتسعى هذه المقالة، في ثلاثة أجزاء مترابطة، إلى تتبع تطور التفتيش التربوي بالمغرب من جذوره الأولى إلى وضعيته الراهنة، اعتماداً على المصادر التاريخية والنصوص القانونية والأدبيات التربوية ذات الصلة. ويخصص هذا الجزء الأول لرصد أشكال الرقابة على التعليم قبل الحماية، ثم تتبع التحولات التي عرفتها وظيفة التفتيش خلال الفترة الاستعمارية.
الجزء الأول
التعليم التقليدي والحماية والبدايات الأولى للرقابة التربوية بالمغرب
مقدمة الجزء الأول
لا يمكن فهم تطور التفتيش التربوي بالمغرب دون العودة إلى السياقات التاريخية التي سبقت ظهور المدرسة الحديثة وأجهزتها الإدارية، فقبل نشأة التفتيش بمفهومه المعاصر، عرف التعليم المغربي أشكالاً متعددة من الرقابة والتتبع ارتبطت بالسلطة السياسية والقضائية وبالمجتمع المحلي، كما ارتبطت بمكانة العلم والعلماء داخل البناء المؤسسي للدولة المغربية، ومع فرض الحماية سنة 1912 ستدخل هذه الآليات مرحلة جديدة تتسم بظهور أجهزة رقابية أكثر تنظيماً مرتبطة بالإدارة الاستعمارية ومشاريعها التعليمية، لذلك يسعى هذا الجزء إلى تتبع البدايات الأولى للرقابة التربوية بالمغرب، من التعليم التقليدي إلى أنظمة الإشراف التي عرفتها فترة الحماية.
الرقابة على التعليم في المغرب قبل الحماية
قبل فرض الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب، لم يكن التعليم خاضعاً لجهاز تفتيش متخصص بالمعنى الإداري الحديث، غير أن ذلك لا يعني غياب آليات للمراقبة والتقويم. فقد كان التعليم التقليدي جزءاً من النظام الاجتماعي والديني للدولة، مما جعل مراقبته موزعة بين السلطة السياسية والقضاء الشرعي والعلماء والجماعات المحلية.
وتكشف المصادر التاريخية عن اهتمام الدولة المغربية بتنظيم الشأن التعليمي وضبطه، ففي وصفه للمؤسسات العلمية بالمغرب، يبرز الناصري أن التعليم كان يشكل أحد المرتكزات الأساسية للحياة العامة، وأن الدولة كانت تتدخل بصورة متفاوتة في تدبير شؤون المدارس والمساجد والزوايا ورعاية العلماء والطلبة (الناصري، 2001، ج9).
ورغم أن هذا التدخل لم يتخذ شكل جهاز تفتيش متخصص، فإنه يعكس حضور سلطة رقابية هدفت إلى ضمان استمرارية التعليم والمحافظة على مرجعياته الدينية والعلمية.
وتؤكد النوازل الفقهية المالكية بدورها وجود آليات واضحة لمساءلة المعلمين ومراقبة أدائهم، فقد تضمن كتاب المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب للونشريسي عدداً من الفتاوى المتعلقة بأهلية معلم الصبيان وشروط مزاولة التعليم وحقوق أولياء الأمور في الاعتراض على بعض الممارسات التعليمية، كما تناول حالات تدخل القضاء للنظر في النزاعات المرتبطة بالكتاتيب والمعلمين (الونشريسي، 1981، ج11؛ ج12). وتدل هذه النوازل على أن وظيفة المراقبة كانت قائمة بالفعل، لكنها كانت تستند إلى المرجعية الفقهية والقضائية أكثر من استنادها إلى معايير بيداغوجية منظمة.
وفي السياق نفسه، يعكس كتاب "مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان" اهتمام الدولة العلوية بتحديد الواجبات التربوية والأخلاقية للمعلمين، فقد شدد المؤلف على ضرورة التزام معلم الصبيان بمقتضيات التربية الدينية والأخلاقية وبضوابط التعليم السليم، بما يجعل أداءه خاضعاً لمعايير محددة تتجاوز مجرد حفظ القرآن الكريم (سيدي محمد بن عبد الله، مخطوط رقم 3747).
كما تكشف الوثائق السلطانية التي جمعها محمد المنوني عن أشكال أخرى من التتبع والرقابة ارتبطت بانتظام الدراسة والمواظبة عليها، ومن أبرزها الرسالة الصادرة عن الحاجب السلطاني بتاريخ 23 شوال 1293هـ بشأن الطلبة المشتغلين بالحساب والهندسة، والتي نصت على قطع الحوالة عن المتغيبين أو المنقطعين عن الدراسة، في إشارة واضحة إلى ربط الاستفادة من الدعم العمومي بالانضباط والتحصيل العلمي (المنوني، 1985، ج1).
أما في الوسط القروي، فقد اضطلعت الجماعات المحلية وأعيان القبائل بأدوار رقابية مباشرة تجاه الكتاتيب القرآنية ومعلميها، وكانت الجماعة تتولى اختيار الفقيه وتمويله ومتابعة التزامه بواجباته التعليمية والدينية، كما كانت تمتلك سلطة الاستغناء عنه عند الإخلال بشروط الاتفاق المبرم معه، وهكذا ظلت الرقابة على التعليم قبل الحماية موزعة بين الدولة والقضاء والعلماء والمجتمع المحلي، دون أن ترتقي إلى مستوى جهاز تفتيش متخصص كما ستعرفه المدرسة الحديثة لاحقاً.
التفتيش خلال فترة الحماية
شهد المغرب خلال الفترة الاستعمارية (الحماية =1912-1956) وضعاً سياسياً وإدارياً خاصاً نتج عن تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ مختلفة، فقد خضعت المنطقة السلطانية "للحماية" الفرنسية، بينما خضعت المنطقة الخليفية "للحماية" الإسبانية، في حين تمتعت مدينة طنجة بنظام دولي خاص، وقد انعكس هذا التقسيم على تنظيم التعليم وأجهزة الإشراف عليه، فظهرت أنماط متعددة من التفتيش والرقابة التربوية اختلفت باختلاف المرجعيات الإدارية والسياسية لكل منطقة.
الرقابة التربوية في المنطقة السلطانية خلال الحماية الفرنسية
مع فرض "الحماية" الفرنسية سنة 1912 دخل التعليم بالمغرب مرحلة جديدة اتسمت بظهور إدارة تعليمية حديثة ذات بنية بيروقراطية واضحة، وهو ما انعكس مباشرة على أساليب الإشراف والرقابة، فخلافاً للتعليم التقليدي الذي كانت مراقبته موزعة بين القضاء والعلماء والجماعات المحلية، أصبحت الرقابة التربوية جزءاً من جهاز إداري مركزي يخضع لتوجيهات الإقامة العامة الفرنسية ويرتبط بأهدافها السياسية والثقافية.
وقد أولت سلطات الحماية أهمية كبيرة للتعليم باعتباره أداة لإعادة تنظيم المجتمع وتكوين النخب التي تحتاجها الإدارة الاستعمارية، وفي هذا السياق أنشأت مديرية التعليم العمومي التي أشرفت على مختلف المؤسسات التعليمية التابعة للمنطقة السلطانية، كما وضعت نظاماً للتفتيش مستلهماً من النموذج الفرنسي القائم على التراتبية الإدارية والمراقبة المنتظمة لأداء المؤسسات والمعلمين (Hardy & Brunot, 1925).
ويرتبط هذا التوجه بشكل وثيق بالدور الذي اضطلع به جورج هاردي، الذي تولى إدارة التعليم العمومي بالمغرب خلال عشرينيات القرن العشرين، فقد سعى إلى بناء منظومة تعليمية تستجيب للتصور الاستعماري القائم على التمييز بين الفئات الاجتماعية والثقافية للمغاربة، وهو ما جعل جهاز التفتيش جزءاً من آليات توجيه التعليم وضبطه أكثر من كونه أداة لتحسين الممارسات التربوية، وقد بينت الدراسات التاريخية أن المفتشين الفرنسيين كانوا يشكلون حلقة أساسية في تنفيذ السياسة التعليمية للإقامة العامة من خلال تتبع المناهج، ومراقبة المعلمين، ورفع التقارير الدورية حول سير المؤسسات التعليمية (Fussell, 2003).
وتكشف الوثائق المنشورة في نشرة التعليم العمومي بالمغرب (Bulletin de l’Enseignement Public du Maroc) أن المفتشين لم يكونوا مجرد مراقبين للعمل التربوي داخل حجرات الدرس، بل كانوا يمثلون سلطة إدارية تمتد إلى متابعة تنفيذ التعليمات الرسمية وضمان احترام التوجهات العامة للسياسة التعليمية الاستعمارية، كما كانت التقارير التفتيشية تُستعمل أداة لتقييم أداء المعلمين ومديري المؤسسات وقياس مدى التزامهم بالأهداف المحددة من طرف الإدارة المركزية.
وفي إطار هذا التنظيم، اعتمدت سلطات الحماية على عدد من الأطر المغربية المساعدة التي اضطلعت بمهام مرتبطة بتتبع بعض المؤسسات الموجهة للمغاربة، خاصة ما يتعلق بتدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، غير أن هذه الأطر لم تكن تتمتع بالاستقلالية المهنية أو الإدارية التي كانت للمفتشين الفرنسيين، إذ ظل اتخاذ القرار التربوي والإداري محصوراً في الجهاز الاستعماري المركزي (مولاي أحمد، 2024، ص. 29-31).
ويظهر من خلال هذا التنظيم أن الرقابة التربوية في المنطقة السلطانية لم تنشأ أساساً بهدف تطوير الممارسة التعليمية أو مواكبة المدرسين، بل جاءت في إطار مشروع أوسع لتدبير المجال التعليمي وضبطه وفق حاجات الإدارة الاستعمارية، لذلك ارتبط مفهوم التفتيش خلال هذه المرحلة بالسلطة الإدارية والرقابة العمودية أكثر من ارتباطه بالتأطير التربوي أو التنمية المهنية للمدرسين.
وبذلك مثّلت المنطقة السلطانية أول تجربة بالمغرب لقيام جهاز تفتيش منظم ذي طابع مؤسساتي، إلا أنه ظل موجهاً أساساً لخدمة أهداف الدولة الاستعمارية، أما في المنطقة الخليفية الخاضعة للنفوذ الإسباني، فقد اتخذت الرقابة التربوية مساراً مختلفاً نسبياً بحكم خصوصية السياسة التعليمية الإسبانية وأهدافها الثقافية والإدارية، وهو ما سنعرضه في المحور التالي.
المنطقة الخليفية وتجربة الرقابة التربوية الإسبانية
يختلف مسار الرقابة التربوية في المنطقة الخليفية عن نظيره في المنطقة السلطانية، رغم اشتراكهما في الارتباط بالمشروع الاستعماري، فمع خضوع شمال المغرب وبعض مناطقه الجنوبية للنفوذ الإسباني ابتداء من سنة 1912، سعت الإدارة الإسبانية إلى بناء سياسة تعليمية تخدم أهدافها الثقافية والسياسية، مع مراعاة خصوصيات البيئة المحلية التي كانت تختلف عن المجال الخاضع للنفوذ الفرنسي.
وقد ارتبط الإشراف على التعليم بالمندوبية الإسبانية المكلفة بالتعليم والثقافة، التي تولت تنظيم المؤسسات التعليمية ومراقبة سيرها، وبخلاف النموذج الفرنسي الذي اتجه نحو بناء جهاز إداري وتعليمي واسع نسبياً، ظل التعليم الإسباني أكثر محدودية من حيث الانتشار والإمكانات، وهو ما انعكس على حجم أجهزة الرقابة والإشراف التابعة له (مولاي أحمد، 2024، ص. 29-33).
وتبين الدراسات المقارنة أن السلطات الإسبانية اعتمدت آليات للمراقبة البيداغوجية والإدارية هدفت إلى ضمان تنفيذ البرامج التعليمية المقررة ومتابعة عمل المعلمين والمؤسسات التعليمية، مع تركيز خاص على نشر اللغة والثقافة الإسبانيتين داخل مناطق نفوذها، وقد شكل التفتيش في هذا السياق إحدى أدوات متابعة تنفيذ السياسة التعليمية وضبط الفضاء المدرسي بما ينسجم مع أهداف الإدارة الاستعمارية (مولاي أحمد، 2024، ص. 30-34).
كما ساهمت خصوصية مدينة تطوان، باعتبارها عاصمة المنطقة الخليفية، في بروز نخبة تعليمية وثقافية لعبت أدواراً مهمة في الحياة العلمية والتربوية، ويشير إدريس خليفة إلى أن المؤسسات التعليمية بالمنطقة عرفت تداخلاً بين المرجعيات المغربية التقليدية والنموذج الإداري الإسباني، مما أفرز تجربة تعليمية متميزة مقارنة بباقي مناطق المغرب خلال فترة الحماية (خليفة، 1994، ج1).
ورغم أن الرقابة التربوية في المنطقة الخليفية اتخذت طابعاً إدارياً واضحاً، فإنها لم تبلغ درجة التنظيم والتوسع التي عرفها جهاز التفتيش في المنطقة السلطانية، ويرجع ذلك إلى محدودية الموارد التي خصصتها الإدارة الإسبانية للتعليم من جهة، وإلى اختلاف الرهانات السياسية والثقافية التي حكمت التجربتين الفرنسية والإسبانية من جهة أخرى (مولاي أحمد، 2024، ص. 34-35).
وعموماً، أسهمت التجربة الإسبانية في إدخال أشكال جديدة من الإشراف الإداري على المؤسسات التعليمية، لكنها ظلت جزءاً من منظومة استعمارية هدفت إلى توجيه التعليم ومراقبته أكثر مما هدفت إلى تطويره من منظور وطني، وقد ازدادت صورة الرقابة التعليمية تعقيداً في مدينة طنجة التي خضعت لوضع قانوني وسياسي مختلف، وهو ما أفرز نموذجاً متميزاً في تدبير الشأن التعليمي والإشراف عليه.
طنجة الدولية وتعدد المرجعيات الرقابية
مثّلت مدينة طنجة حالة استثنائية داخل المغرب خلال فترة ما يسمى بالحماية، إذ لم تخضع لا للنفوذ الفرنسي المباشر ولا للنفوذ الإسباني المباشر، بل وُضعت منذ سنة 1923 تحت نظام دولي خاص شاركت في تدبيره عدة قوى أوروبية، وقد انعكس هذا الوضع السياسي الفريد على التنظيم التعليمي، حيث لم تعرف المدينة نظاماً تعليمياً موحداً، بل تعددت فيها المؤسسات والمدارس التابعة لجهات أجنبية مختلفة، إلى جانب بعض المبادرات التعليمية المغربية الخاصة.
وأدى هذا التعدد إلى غياب جهاز تفتيش مركزي موحد يشرف على جميع المؤسسات التعليمية بالمدينة، فكل بعثة تعليمية أجنبية كانت تخضع في الغالب للأنظمة التربوية المعمول بها في بلدها الأصلي، وتستند إلى آلياتها الخاصة في المراقبة والتفتيش والتقييم، ونتج عن ذلك تعدد في المرجعيات البيداغوجية والإدارية، واختلاف في المناهج والبرامج وأساليب الإشراف التربوي (Knibiehler, 1994، ص. 489-498).
وفي هذا السياق، انصبت الرقابة التعليمية أساساً على الجوانب التنظيمية والإدارية وضمان احترام القوانين المنظمة للمؤسسات التعليمية، أكثر من انصبابها على توحيد الممارسات البيداغوجية أو بناء جهاز إشراف تربوي موحد، وقد ساهم هذا الوضع في جعل طنجة فضاءً تعليمياً متنوعاً يعكس التنافس الثقافي والسياسي بين القوى الأجنبية الحاضرة بالمدينة.
ورغم محدودية تأثير هذا النموذج على مجموع التراب المغربي، فإنه يكشف جانباً مهماً من تاريخ الرقابة التربوية خلال فترة الحماية، يتمثل في ارتباط أشكال التفتيش والإشراف بطبيعة السلطة السياسية المشرفة على التعليم، فبينما اتجهت المنطقة السلطانية نحو مركزية إدارية فرنسية واضحة، وعرفت المنطقة الخليفية نموذجاً إسبانياً أكثر محدودية، شهدت طنجة تعددية رقابية ناتجة عن تعدد الفاعلين والمؤسسات.
غير أن أهم تجربة تعليمية مغربية خلال هذه المرحلة لم تنشأ داخل المؤسسات الاستعمارية نفسها، بل برزت من خلال مدارس التعليم الحر التي أسستها الحركة الوطنية، والتي ستطرح نموذجاً مختلفاً للإشراف والتأطير التربوي خارج المنظومة الاستعمارية، وهو ما سنتناوله في المحور التالي.
التعليم الحر الوطني بين الرقابة الاستعمارية والتأطير الذاتي
بموازاة المدارس الرسمية التي أنشأتها سلطات الحماية، برز التعليم الحر الوطني منذ عشرينيات القرن الماضي باعتباره أحد أهم أدوات الحركة الوطنية للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية ومواجهة السياسات التعليمية الاستعمارية، وقد نظر المستعمر الفرنسي والإسباني إلى هذه المدارس بعين الريبة، باعتبارها فضاءات لتكوين النخب الوطنية ونشر الوعي السياسي والثقافي، لذلك خضعت لرقابة إدارية مستمرة شملت مراقبة التراخيص والبرامج التعليمية وأوضاع المدرسين والمؤسسات، كما استُعملت أحياناً إجراءات إدارية مختلفة للتضييق على نشاطها أو الحد من انتشارها (القادري، 1993).
وفي مواجهة هذه الضغوط، لم تكتف الحركة الوطنية بإنشاء المدارس الحرة، بل عملت أيضاً على تنظيم أشكال من التأطير والمتابعة الداخلية لضمان جودة التعليم واستمراريته، فقد كان عدد من رواد الحركة الوطنية والعلماء يتولون زيارة المدارس وتتبع عمل المعلمين والمساهمة في توحيد البرامج وتنظيم الامتحانات وتقديم التوجيهات التربوية اللازمة، ويبرز أبو بكر القادري هذه الجهود باعتبارها جزءاً من مشروع وطني متكامل هدفه بناء مدرسة مغربية قادرة على الجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية وتحقيق مستوى تعليمي يسمح بمنافسة المدرسة الاستعمارية (القادري، 1993).
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار تجربة التعليم الحر إحدى البدايات الأولى لظهور أشكال من الإشراف التربوي الوطني بالمغرب، وإن كانت تتم خارج الأطر الإدارية الرسمية وبوسائل محدودة، فقد انتقل الاهتمام من مجرد مراقبة التزام المعلم بواجباته، كما كان سائداً في التعليم التقليدي، إلى محاولة تحسين الممارسة التعليمية وتنسيق العمل بين المؤسسات، وهو ما مهد لاحقاً لظهور أجهزة التفتيش والتأطير التربوي بعد الاستقلال.
خاتمة الجزء الأول
يكشف تتبع البدايات الأولى للرقابة التربوية بالمغرب أن الإشراف على التعليم لم يكن غائباً عن المجتمع المغربي قبل الحماية، وإن اتخذ أشكالاً مختلفة ارتبطت بالمؤسسات الدينية والقضائية وبسلطة الجماعة المحلية، فقد انصبت الرقابة آنذاك على الجوانب الأخلاقية والدينية والتعاقدية أكثر من اهتمامها بالممارسات البيداغوجية بالمعنى الحديث.
ومع فرض نظام ما يسمى بالحماية سنة 1912، انتقلت الرقابة التربوية إلى مستوى أكثر تنظيماً ومأسسة، حيث أُدمجت ضمن الأجهزة الإدارية للاستعمار الفرنسي والإسباني، وأصبحت جزءاً من مشروع سياسي وثقافي يروم توجيه المدرسة وفق أهداف السلطة الاستعمارية، وفي المقابل، برز التعليم الحر الوطني بوصفه تجربة تربوية مقاومة، سعت إلى بناء آلياتها الخاصة للتأطير والمتابعة والمحافظة على الهوية الوطنية.
وهكذا انتقل المغرب، خلال هذه المرحلة، من أشكال رقابية تقليدية محدودة إلى بدايات جهاز تفتيشي ذي طابع إداري وتنظيمي حديث، وهو المسار الذي سيتعمق بعد الاستقلال مع انطلاق مشروع بناء جهاز وطني للتفتيش التربوي ومواكبة رهانات تعميم التعليم وتوحيده ومغربته.
المراجع المعتمدة في الجزء الأول
- الونشريسي أبو العباس أحمد بن يحيى (1981). المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، تحقيق محمد حجي وآخرين، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ودار الغرب الإسلامي، الرباط ـ
- سيدي محمد بن عبد الله العلوي. مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان، مخطوط محفوظ بالخزانة العامة بالرباط، رقم 3747.
- محمد المنوني (1985). مظاهر يقظة المغرب الحديث، الطبعة الثانية المنقحة، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء.
- أحمد بن خالد الناصري (2001). الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، الرباط.
- أبوبكر القادري (1993). رجال في الذاكرة: صفحات من تاريخ التعليم الحر بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
- إدريس خليفة (1994) الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (1912-1956م)، الجزء الأول، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط.
- مولاي أحمد رشيد (2024). «السياسة التعليمية بالمغرب في عهد الحماية بالمنطقتين السلطانية والخليفية: مقارنة في الهياكل والحصيلة والأهداف (1912-1956)»، مجلة ليكسوس في التاريخ والعلوم الإنسانية.
- Hardy, Georges & Brunot, Louis (1925). L'Enfant marocain: Essai d'ethnographie scolaire. Paris: Émile Larose.
- Fussell, Rachel (2003). "Georges Hardy and Educational Ethnology in French Morocco, 1920–1926", Paedagogica Historica.
- Knibiehler, Yvonne (1994). "L'enseignement au Maroc pendant le protectorat (1912-1956). Les fils de notables", Revue d'Histoire Moderne et Contemporaine, vol. 41, n°3.