مدخل : أدت التحولات البيئية التي يشهدها العالم، من تغيرات مناخية وتراجع للموارد الطبيعية وتزايد أشكال التلوث، إلى توسيع النقاش حول البيئة ليشمل قضايا الإنصاف والحقوق، فلم يعد الاهتمام مقتصراً على حماية الموارد الطبيعية، بل امتد إلى التساؤل حول كيفية توزيع الموارد والأعباء البيئية بين مختلف الفئات الاجتماعية، وفي هذا السياق تبرز التربية البيئية كمدخل أساسي لإعداد مواطن واعٍ بقضايا البيئة وقادر على الإسهام في تحقيق العدالة البيئية والتنمية المستدامة.
بناء المعرفة والسلوك البيئيين
تسعى التربية البيئية إلى تنمية وعي المتعلمين بمكونات البيئة ومشكلاتها، وإكسابهم المعارف والقيم والمهارات التي تساعدهم على تبني سلوكات مسؤولة تجاه محيطهم الطبيعي والاجتماعي. ولا تقف عند حدود المعرفة النظرية، بل تهدف إلى تحويل التعلمات إلى ممارسات فعلية تجعل المتعلم فاعلاً في حماية البيئة والمساهمة في تحسينها.
العدالة البيئية والمواطنة البيئية
يقوم مفهوم العدالة البيئية على ضمان حق جميع الأفراد في بيئة سليمة وفي الاستفادة العادلة من الموارد الطبيعية والخدمات البيئية، دون تمييز أو إقصاء، وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من كون الآثار السلبية للتلوث أو ندرة الموارد لا تطال جميع الفئات بالدرجة نفسها.
ومن هذا المنطلق تمثل المواطنة البيئية مرحلة متقدمة من الوعي البيئي، حيث يصبح الفرد مدركاً لحقوقه وواجباته البيئية، وقادراً على المشاركة في حماية الموارد الطبيعية والدفاع عن الحق الجماعي في بيئة سليمة. وهكذا تشكل التربية البيئية نقطة الانطلاق، وتمثل العدالة البيئية الإطار القيمي والحقوقي، بينما تعد المواطنة البيئية النتيجة التي تسعى المدرسة إلى تحقيقها.
المدرسة فاعل أساسي في بناء المواطنة البيئية
تضطلع المدرسة بدور محوري في تنمية الوعي البيئي من خلال المناهج الدراسية والأنشطة التربوية التي تعرف المتعلمين بالتحديات البيئية المعاصرة، مثل ندرة المياه والتصحر والتغيرات المناخية والتلوث، كما تسهم في غرس قيم الإنصاف والتضامن والمسؤولية واحترام الحقوق البيئية، بما يساعد على تنمية وعي نقدي بقضايا التفاوت البيئي والمجالي.
ولا يقتصر دور المؤسسة التعليمية على التوعية، بل يشمل أيضاً تشجيع المشاركة البيئية عبر المشاريع التربوية والأندية والأنشطة الميدانية، بما يتيح للمتعلمين الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل والمبادر.
التربية البيئية في المدرسة المغربية
عرفت المدرسة المغربية جهوداً متواصلة لإدماج التربية البيئية في المناهج الدراسية، خاصة ضمن مواد علوم الحياة والأرض والجغرافيا والتربية على المواطنة، كما ساهمت مبادرات وبرامج متعددة في تعزيز الثقافة البيئية داخل المؤسسات التعليمية، ومن أبرزها برنامج المدارس الإيكولوجية الذي يهدف إلى ترسيخ الممارسات البيئية داخل الفضاء المدرسي.
وتستند هذه الجهود إلى مرجعيات قانونية ومؤسساتية مهمة، من بينها دستور 2011 والقانون الإطار المتعلق بالميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة والقانون الإطار الخاص بمنظومة التربية والتكوين، وهي نصوص تؤكد أهمية التربية البيئية ودورها في تحقيق التنمية المستدامة.
التحديات الراهنة والمستقبلية
رغم التقدم المحقق، ما تزال المدرسة تواجه عدداً من التحديات المرتبطة بالتكوين المتخصص للأطر التربوية، وهيمنة المقاربة النظرية، ومحدودية الموارد والتجهيزات، وضعف انخراط بعض الأسر والمحيط الاجتماعي في دعم السلوكات البيئية الإيجابية.
كما تفرض التحولات البيئية الراهنة تحديات جديدة تتجاوز المقاربة التقليدية للتربية البيئية، فالتغيرات المناخية وندرة المياه وتزايد النفايات الإلكترونية وأنماط الاستهلاك غير المستدامة تطرح أسئلة تتعلق بالعدالة البيئية، لأن آثارها لا تتوزع بالتساوي بين الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية. ولذلك أصبحت المدرسة مطالبة بإعداد متعلم قادر على فهم العلاقة بين البيئة والتنمية والعدالة الاجتماعية، وليس فقط اكتساب معارف بيئية عامة.
نحو مدرسة داعمة للعدالة البيئية
يتطلب تعزيز دور المدرسة اعتماد مقاربة تربوية مندمجة تجعل البيئة جزءاً من الحياة المدرسية اليومية، من خلال تطوير تكوين المدرسين، وتشجيع التعلم بالمشاريع، وتفعيل الأندية البيئية، وتوسيع الشراكات مع المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بالبيئة، إضافة إلى توظيف الوسائط الرقمية في نشر الثقافة البيئية وتعزيز المشاركة.
على سبيل الختم
أصبحت التربية البيئية اليوم مدخلاً أساسياً لترسيخ قيم العدالة البيئية وبناء المواطنة البيئية، ومن خلال أدوارها التربوية والتكوينية، تساهم المدرسة في إعداد مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته البيئية، وقادر على المشاركة في حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة. وبذلك تظل المؤسسة التعليمية فاعلاً مركزياً في الانتقال من الوعي البيئي إلى الممارسة المواطنة المسؤولة، ومن التربية البيئية إلى العدالة البيئية.
مداخلة عبد الرزاق بن شريج في ندوة التربية البيئية المنظمة من طرف جمعية أباء وأولياء مركزية الزمامرة