حكايتي مع إبريق وقنطرة قديمة!

القصة

سقط بَلْعُومُ الإبريق وأنا هَامٌّ بصبّ الكأس الأولى من الشاي، ولم يمضِ على اقتنائه سوى شهرين ونيّف! خبطتُه غاضباً حتى انهرق ما تبقّى في جعبته، وتطايرت قطراته الساخنة في كل مكان، بينما احمرّ هو من شدة القيظ والخجل كاتما غيظه في صدره...


في المساء، وبُعَيد أن هدأتْ ثائرتي؛ حملتُه إلى اللحام وأعدتُ له أنبوبه الجريح، ثم أرجعته إلى الخدمة رغم ندوبٍ شوهاء ظلّت عالقة بقمقومه!
ذات يوم، حملتُه معي في نزهة على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع، حيث انتدبتُ لي وله مكاناً ظليلاً تحت قنطرة قديمة تربط بين ضفتين تعود لفترة الاستعمار الفرنسي. أعددتُ على نار هادئة براد شاي، ثم استويتُ في جلستي أرشف الكأس الأولى متأملاً جريان الماء وخضرة المكان.
وبينما أنا أتمتع بالسكينة، تناهى إلى سمعي صوت هادئ منبعث من قرب؛ وحين بحثتُ باستغراب عن مصدره، وجدتُ البراد يخاطبني بهدوء وثقة، وعيناه شاخصتان صوب القنطرة القديمة قائلاً:
— «أنظر إلى حديد تلك القنطرة، ألا تجده ما يزال على حاله وقد مر عليه زمن طويل عرضة لعاديات الأيام بكل أهوالها؟ أنظر إليه جيداً، ألا يبدو لك شبيهاً بتلك الصفائح التي شُيّد بها برج "إيفل" في باريس؟»
عقّبتُ مازحاً:
— «لا شك أنها شُيّدت ببعضٍ من بقاياه!»
وحين طال صمته انكساراً، أردفتُ مواسياً:
— «لا عليك.. لقد نسيتُ حادثة فقدانك لقمقومك في عزّ الشباب! أنا لا ألومك، فلم يكن الذنب ذنبك.. ثم إننا لسنا في باريس، أنت ابن هذا البلد وعليك أن تتأقلم مع هشاشة واقعنا!»
شربتُ كأسي الأخيرة وأنا أنظر إلى ندوب إبريقي، وأتساءل في سرّي: كم منا يسير في هذه الحياة بقمقوم ملحوم، وندوب غير مرئية، وهو يحاول واهماً مقارعة عاديات الزمان؟

محمد بومهالي