منذ اللحظة التي انبثق فيها الوعي من رحم المادة الصماء، وجد الإنسان نفسه محاصراً بمرآة تعكس صورته وصورة فنائه في آن واحد؛ فالموت ليس حادثة تقع في نهاية الطريق، بل هو الخيط السري الذي ينسج ثوب الوجود ذاته. إن التفكير في الموت ليس هروباً من الحياة،
بل هو توغل في أقصى درجات حقيقتها، حيث يتبدى الوجود كحالة من "التوتر القلق" بين الحضور والغياب. فالموت في جوهره ليس انقطاعاً لصيرورة الكائن، بل هو شرط إمكانها؛ إذ لا يمكن للزمان أن يتدفق، ولا للحركة أن تستمر، ما لم يكن هناك "عدم" يفسح المجال لما هو آتٍ. نحن كائنات تُبنى على "النقص"، وهذا النقص هو الذي يدفعنا نحو الخلق والإبداع والبحث عن المعنى، فلو كانت الحياة سرمدية وفائضة عن الحاجة، لغرق الوجود في رتابة السكون القاتل وفقدت اللحظة فرادتها وقدسيتها.
إن الموت، من منظور ميكانيزما الكون الشاملة، يبدو كعملية "ترميم أنطولوجي" دائمة؛ فالكون لا يعرف النهايات المطلقة بقدر ما يعرف التحولات الهيكلية.
خَطَّ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَطَّ خَطًّا في الوَسَطِ خَارِجًا منه، وخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إلى هذا الذي في الوَسَطِ مِن جَانِبِهِ الذي في الوَسَطِ، وقَالَ: هذا الإنْسَانُ، وهذا أجَلُهُ مُحِيطٌ به أوْ: قدْ أحَاطَ به وهذا الذي هو خَارِجٌ أمَلُهُ، وهذِه الخُطَطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ، فإنْ أخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا، وإنْ أخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا)
إذن الموت نهش وقضم وتحلل ..
وهذا أقرب إلى الرؤية التراجيدية للوجود:
فالإنسان كائن ناجٍ مؤقت... هو توتر دائم بين الأمل والألم.. بين الوجود واللاوجود..
الأجساد والنجوم والمجرات ليست سوى تكثفات عابرة للطاقة والمادة، وما الموت إلا لحظة "تحلل الهوية" لتعود العناصر إلى صمتها الأول، ونهايته المحترمة.. مستعدة للانبثاق في تشكلات جديدة.
﴿وَيُنْشِئُكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
فالموت هو في نهاية المطاف محطة جد قصيرة في يَمّ الزمكان المتلاطم
"ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر" هو إذن زيارة عابرة خاطفة
كل نفس ذائقة الموت هو إذن ذوق مؤقت سرعان ما يذوب كما يذوب الملح في قعر الكأس المترع ماء ساخنا حين يرتج ويتحرك..
" الميت اذا مات قامت قيامته"
بهذا المعنى، يصبح الموت
هو الفعل الذي يحرر المادة من سجن التشكيل الفردي الضيق، ليعيد دمجها في شمولية المدى الكوني. وتغدو الحقيقة جلية مجلية متكشفة أمام الميت المقبور فورا "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " حاد ونافذ وثاقب.. وهو ما يعسر معه في حاضر هذا الوجود الآني بهذه الجوارح والحواس العاجزة عن سبر أغوار الحقيقة..
إن الذرات التي تسكننا اليوم كانت يوماً جزءاً من سديم بعيد، وستكون يوماً جزءاً من كيان لم يولد بعد؛ لذا فإن ما نسميه "موتاً" هو في الحقيقة انكسار لصورة "الأنا" الوهمية أمام حقيقة الوحدة الكونية التي لا تفنى، حيث ينهار الشكل المؤقت ليتيح للصيرورة أن تواصل رقصتها الأبدية بلا توقف.
وعلى الرغم من هذا الاتساق الكوني البارد، تظل التجربة الإنسانية للموت مثقلة بهشاشة فريدة؛ فالإنسان هو الكائن الذي "يحمل موته في جيبه"، يعيه ويستبطنه في كل قرار. هذا الوعي بالفناء هو ما يمنح الحياة "كثافتها الدرامية"، محولاً الوجود من مجرد بقاء بيولوجي إلى "قلق وجودي" خلاق.
ولعل أكثر ما يجعل الموت محيّرًا هو أنه، بينما يُنهي كل تجربة فردية، يفتح الوجود ذاته على أفق لا ينفد من الإمكانات، كأن الكون، عبر الموت، يعيد التفكير في نفسه بصمتٍ ثقيل، ويواصل رحلته بلا شاهد نهائي.
بقلم الطاهر كردلاس
العيون 2026/1/12