إلى إدريس الخوري… عذرا، لقد تغيّرت الوزارة

منوعات ثقافية

عزيزي إدريس الخوري،
لو كان في وسعنا أن نخبرك بما جرى بعد رحيلك، لبدأنا باعتذار.


ليس لأنك تحتاج إلى اعتذار، فقد أخذت مكانك في الأدب والصحافة والذاكرة من دون إذن أحد، ولكن لأنك كنت، في زمنك، تعرف أن وزارة الثقافة لها علاقة، ولو من باب المنطق، بالثقافة.
لقد عشت، يا زميلي، زمنًا كانت للثقافة المغربية فيه الحظوة والحضور والأهمية،كان هناك وعي، على الأقل، بأن من لا ثقافة له لا تاريخ له، ومن لا ذاكرة له لا قيمة له، عشت زمن وزراء ثقافة من أمثال الحبيب الفرقاني، محمد علال الفاسي، محمد العربي الخطابي، سعيد بنبشير، محمد بنعيسى، علام الشرايبي، محمد الأشعري، ثرية، جبران وبنقاسم الشابي، أسماء مختلفة المشارب، لكنها كانت تعرف، كل بطريقته، أن الثقافة ليست مجرد مصلحة إدارية ولا برنامجا موسميا ولا صورة جماعي،.
بل إننا، يا إدريس، لا نبالغ كثيرًا إذا قلنا إن أبواب الثقافة المغربية بدأت توصد، أو على الأقل تفقد ذلك البريق، منذ مغادرة محمد أمين الصبيحي الوزارة.
أما اليوم، فقد تطورت الإدارة كثيرا.
صارت قادرة على وضع الرجل المناسب في المكان الذي لا علاقة له به، فإذا كانت المؤسسة ثقافية، فليس ضروريا أن يعرف من يديرها شيئا عن الثقافة، وإذا كان المنصب يحتاج إلى معرفة وخبرة، فالأفضل أحيانا أن يُسند إلى من يأتي من كوكب إداري آخر.
ولهذا، لا تستغرب يا إدريس مما روت أرملتك، حين قصدت الوزارة، بعد رحيلك، طلبا للمساعدة في الحفاظ على مكتبتك ومقتنياتك، كان السؤال طبيعيا جدا، وفق المنطق الإداري الجديد:
"من هو هذا السيد المدعو إدريس الخوري؟"
نعم، يا إدريس، رجل يعمل في مؤسسة اسمها وزارة الثقافة، ولم يسمع بك.
لكن القضية ليست في شخص لم يعرفك، المشكلة أن المسؤول الضعيف لا يبحث دائمًا عمن يكمله، بل عمن لا يحرجه، لا يريد حوله قارئا يقرأ أكثر منه، ولا خبيرا يعرف أكثر منه، ولا متخصصا قد يسأله سؤالا لا يعرف جوابه.
أما مكانك اليوم، يا زميلي، فقد ملأه «طوطو» ومن يدور في فلكه.
وأنت تعرف الفرق.
أنت لم تدعُ في كتاباتك إلى استعمال المخدرات صراحة، ولم تكتب قصة ولا مقالة عنوانها «السلكوط». ولم تكن تنتظر حكما قضائيا بسبب السب والقذف لتصبح حديث الناس.
أنت كنت تكتب.
وهذا، ربما، هو الفرق الذي لم يعد واضحا.
كنت تكتب عن المغرب، عن ناسه وشوارعه ومقاهيه وهامشه، وتحول الحياة اليومية إلى أدب، لم تكن تحتاج إلى ضجة كي تصبح معروفا، ولا إلى عدد المشاهدات كي تصبح مهمًا، ولا إلى إثارة الجدل كي يلتفت إليك الناس.
أنت، يا إدريس، الثقافة المغربية الأصيلة.
فالوزارة فستتغير، والوزراء سيتغيرون، والمستشارون سيغادرون مكاتبهم، وسيأتي آخرون، وضجيج الوطاويط سيختفي ...
أما أنت، فسيأتي قارئ جديد بعد سنوات، يفتح كتابًا لك ويعرف فورًا من هو إدريس الخوري.
وأما الذين سألوك يومًا: "من هو؟"
فربما سيحتاجون، مرة أخرى، إلى محرك البحث.
عبد الرزاق بن شريج /19/8/2026