بقلم: عبد الرزاق بن شريج
إعادة التنظيم وبداية بناء الإطار النظامي للتفتيش (1959- 1968)
تقديم
يمتد هذا القسم من سنة 1959 إلى سنة 1968، وهي فترة تختلف عن المرحلة السابقة من حيث طبيعة النصوص القانونية المتوفرة ومجالات تدخلها. فإذا كان القسم الأول،
الممتد من 1955 إلى 1958، قد انصب أساسا على معالجة أوضاع بعض الفئات التفتيشية الموروثة، ولا سيما مفتشي تعليم اللغة العربية والمفتشين المساعدين، من خلال تنظيم شروط التعيين أو إعادة ترتيب أوضاعهم الإدارية والمالية، فإن الفترة الممتدة من 1959 إلى 1968 شهدت صدور نصوص أكثر تنوعا واتساعا مست جوانب متعددة من جهاز التفتيش.
وخلال هذه المرحلة، طرأت تحولات على تسمية بعض أطر التفتيش وشروط الولوج إليها، كما أعيد تنظيم امتحانات الكفاءة، وتكشف نصوص أخرى عن امتداد حضور المفتشين إلى مجالات تتجاوز التفتيش المباشر، مثل تنظيم الامتحانات، وتدبير بعض المسؤوليات الإدارية والتربوية، وبلغ هذا المسار درجة أكثر وضوحا مع صدور المرسوم الملكي رقم 1184.66 بتاريخ 2 فبراير 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص برجال التعليم بوزارة التربية الوطنية، الذي خصص جزءا مستقلا لأسلاك التفتيش وحدد تسمياتها ومهامها وشروط الولوج إليها.
كما تميزت هذه الفترة بصدور نصوص تنظيمية متفرقة قبل سنة 1967، ولا سيما خلال سنة 1963، التي تشكل محطة مهمة في مسار إعادة تنظيم التفتيش، فقد صدرت خلالها نصوص تتعلق بتغيير تسمية مفتشي التعليم العربي، وتحديد شروط توظيف مفتشي تعليم الطور الأول، وتنظيم شهادة الكفاءة في تفتيش هذا الطور، إلى جانب نصوص أخرى تكشف عن حضور المفتشين في التعليم التقني وفي تنظيم الامتحانات.
ومن ثم، تقتضي دراسة هذه المرحلة تتبع النصوص في ترتيبها الزمني للكشف عن مسار انتقل تدريجيا من تنظيم أوضاع فئات محددة من المفتشين إلى وضع قواعد أكثر تحديدا لبعض أسلاك التفتيش، قبل أن يبلغ مرحلة إعادة الهيكلة في إطار النظام الأساسي الخاص برجال التعليم سنة 1967.
أولا: إعادة تنظيم شروط الولوج إلى التفتيش وتغيير بعض التسميات سنة 1963
على الرغم من أن هذه المرحلة تبدأ سنة 1959، فإن الوثائق المتوفرة، في حدود النصوص المعتمدة هنا، لا تظهر صدور نصوص مرتبطة مباشرة بالتفتيش خلال سنواتها الأولى، وتبرز سنة 1963، لذلك، باعتبارها محطة قانونية مهمة في إعادة تنظيم عدد من جوانب هذا الجهاز.
فبتاريخ 13 أبريل 1963 صدر المرسوم رقم 2.63.070 المحدد لشروط توظيف مفتشي تعليم الطور الأول وكذا حالتهم الإدارية، وتكمن أهمية هذا النص في أنه لم يقتصر على تنظيم شروط التوظيف، بل أحدث تحولا في التسمية القانونية نفسها، إذ نص فصله الأول على ما يلي:
{يطلق من الآن فصاعدا على مفتشي التعليم العربي اسم مفتشي تعليم الطور الأول.}
وأضاف النص:
{ويحل هذا الاسم في جميع النصوص الجاري بها العمل الآن محل الاسم القديم المستعمل لحد الآن.}
وبذلك انتقلت التسمية من {مفتشي التعليم العربي} إلى {مفتشي تعليم الطور الأول}، وأصبحت التسمية الجديدة هي المعتمدة في النصوص القانونية الجاري بها العمل؛
ولم يقتصر المرسوم على تغيير التسمية، بل نظم أيضا طريقة التعيين، إذ نص في فصله الثاني على أن:
{يعين مفتشو تعليم الطور الأول من بين المرشحين المحرزين شهادة الكفاءة في تفتيش تعليم الطور الأول}.
وحدد الشروط المطلوبة لاجتياز هذه الشهادة، ومنها شرط السن والأقدمية المهنية، واشترط، بحسب طبيعة الشهادات المحصل عليها، قضاء مدة معينة في التعليم العمومي أو الخاص.
أما فيما يتعلق بالوضعية الإدارية، فقد نص الفصل الثالث على أن:
{يشبه مفتشو تعليم الطور الأول بمفتشي التعليم الابتدائي فيما يخص النظام الأساسي ولا سيما القواعد الجارية بخصوص التعيين والترقية والتأديب والرخص.}
أما الفصل الرابع فنص على مماثلتهم بهم من حيث المرتبات والتعويضات.
وتظهر أهمية هذا المرسوم في جمعه بين ثلاثة عناصر أساسية في تنظيم السلك: تغيير التسمية، وتنظيم الولوج، وتحديد الوضعية الإدارية والمالية، وأحال في فصله الخامس تحديد شروط وشكل وبرنامج شهادة الكفاءة إلى قرار يصدر عن وزير التربية الوطنية.
ومن أجل تنفيذ هذه المقتضيات، صدر قرار وزير التربية الوطنية بتاريخ 19 أبريل 1963 لتحديد شروط وشكل واختبارات شهادة الكفاءة في تفتيش تعليم الطور الأول.
وفي هذا السياق حدد القرار، في فصله الأول، مجموعة من الشروط، من بينها الجنسية المغربية والسن والأقدمية المهنية، التي تختلف بحسب الشهادات العلمية التي يحملها المرشح، ونظم طبيعة اختبارات شهادة الكفاءة، حيث جاء في الفصل الرابع: {اختبار عملي: تفتيش قسم من الطور الأول وتحرير بيان عنه.}
وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة لأنها تبين أن الولوج إلى التفتيش لم يكن قائما على الشروط الإدارية أو الاختبارات النظرية وحدها، بل تضمن أيضا اختبارا عمليا ينجز خلاله المرشح عملية تفتيش ميداني ويحرر بيانا بشأنها.
ونظم القرار كذلك لجنة الامتحان، فنص الفصل السادس على أن من بين أعضائها:
{خمسة مفتشين يعينهم وزير التربية الوطنية.}
كما ربط الفصل الثامن تعيين الناجحين في شهادة الكفاءة بالمناصب الشاغرة وبترتيبهم في الامتحان.
وهكذا أصبح الولوج إلى سلك مفتشي تعليم الطور الأول، خلال سنة 1963، مؤطرا بقواعد أكثر تفصيلا تجمع بين تحديد شروط الترشح، وتنظيم الاختبارات الكتابية والشفوية والعملية، وتحديد تركيبة لجنة الامتحان، وربط التعيين بالنجاح في شهادة الكفاءة وتوفر المناصب.
وبعد ذلك، صدر المرسوم رقم 2.63.133 بتاريخ 16 مايو 1963 بتغيير القرار الوزيري الصادر في 29 يوليوز 1949 بشأن المفتشين المساعدين للتعليم الابتدائي الإسلامي، وقد نص الفصل الفريد، بعد تعويض الفصل الثاني من القرار السابق، على أن:
{يعين المفتشون المساعدون عن طريق المباراة من بين معلمي السلك العام المحرزين شهادة الكفاءة التربوية ... والمتوفرين على عشرة أعوام على الأقل من الخدمات في التعليم العمومي.}
إلا أنه فتح، بصفة انتقالية ولمدة سنتين، إمكانية الترشح أمام معلمي السلك الخاص المتوفرين على الشروط المحددة.
هذا النص يكشف عن استمرار تنظيم سلك المفتشين المساعدين عن طريق المباراة، مع تحديد الفئات المهنية المؤهلة للترشح واشتراط الأقدمية والخبرة في مجال التعليم.
ثم صدر المرسوم رقم 2.63.439 بتاريخ 7 نوفمبر 1963، الذي تمم مقتضيات المرسوم رقم 2.63.070 المتعلق بمفتشي تعليم الطور الأول، ونص على أن شرط الشهادة لا يتعرض له: {المفتشون المساعدون ومساعدو التفتيش.}
فبين هذا التتميم أن إعادة تنظيم شروط الولوج إلى سلك مفتشي تعليم الطور الأول لم تقم على شروط موحدة بصورة مطلقة، إذ أبقى النص على مقتضيات خاصة ببعض الفئات التي كانت تمارس مهاما مرتبطة بالتفتيش.
ثانيا: حضور أطر التفتيش في تنظيم الامتحانات والتقويم
تكشف النصوص الصادرة خلال سنة 1963 عن امتداد حضور المفتشين إلى مجالات أخرى غير التفتيش المباشر للمؤسسات والمدرسين.
فبمقتضى القرار رقم 63.221 الصادر في 7 مايو 1963، والمتعلق بإحداث امتحان للقبول في التعليم الثانوي، نص الفصل العاشر على أن لجنة التصحيح يمكن أن يؤلفها ويرأسها: {رئيس مؤسسة ثانوية أو مفتش معين طبقا للفصل الرابع.}
كما نص الفصل الثالث عشر على عضوية: {مفتش للتعليم الابتدائي يعينه المندوب الإقليمي.}
ومن جهة أخرى، نص القرار رقم 63.218 الصادر في 7 مايو 1963، المتعلق بإحداث شهادة للتعليم التقني، على أن الامتحان يجرى: {تحت رئاسة ومراقبة مفتشي التعليم التقني أو ممثليهم.}
وتكرر المقتضى نفسه في القرار رقم 63.220 المتعلق بإحداث ميزة للتخصص في شهادة التعليم التقني، إذ نص على أن الامتحان يجرى: {تحت رئاسة ومراقبة مفتشي التعليم التقني أو ممثليهم.}
وبذلك تبرز هذه النصوص وجود فئة متخصصة هي {مفتشو التعليم التقني}، كما تكشف عن إسناد مهام التقويم والمراقبة ورئاسة بعض الامتحانات إلى أطر التفتيش.
ثالثا: المفتشون ومسؤوليات التسيير والتأطير والتكوين
لم يقتصر حضور أطر التفتيش على مهام التفتيش أو المشاركة في تنظيم الامتحانات، بل امتد أيضا إلى مجالات المسؤولية والتسيير والتأطير التربوي.
وفي هذا السياق، يندرج المرسوم رقم 2.62.621 الصادر بتاريخ 7 يونيو 1963، المتعلق بإحداث وتنظيم المدرسة العليا للمعلمين، فقد نص الفصل السادس على أن مدير هذه المؤسسة يمكن أن يختار من بين:
{المفتشون الممتازون بوزارة التربية الوطنية الذين قضوا سنتين على الأقل بصفة مفتش ممتاز للتعليم.}
ويكشف هذا المقتضى عن اعتبار أطر التفتيش، وبصفة خاصة المفتشين الممتازين، من الفئات المؤهلة لتحمل مسؤوليات تدبيرية داخل مؤسسات تكوين الأطر.
أما الولوج إلى سلك مفتشي تعليم الطور الأول، فقد ارتبط، بمقتضى المرسوم رقم 2.63.070 والقرار الوزاري المؤرخ في 19 أبريل 1963، بالحصول على شهادة الكفاءة في التفتيش، ولم تكن هذه الشهادة قائمة على اختبارات نظرية فقط، إذ تضمنت اختبارا عمليا يتمثل في تفتيش قسم وتحرير بيان عنه.
وبذلك يتضح أن مسار الولوج إلى التفتيش خلال هذه المرحلة كان يتضمن بعدا مهنيا وتطبيقيا، إلى جانب الشروط الإدارية والعلمية المطلوبة.
وفي مجال المسؤولية الإدارية، صدر بتاريخ 8 أبريل 1968 المرسوم الملكي رقم 619.67 المتعلق بتعيين النواب الإقليميين لوزارة التربية الوطنية. وقد نص الفصل الثاني على أن النواب الإقليميين يعينون من بين عدة فئات، من بينها:
{المفتشون الممتازون؛ مفتشو تعليم الطور الثاني؛ مفتشو تعليم الطور الأول الحاصلون على إحدى شهادات الليسانس.}
ويبرز هذا المقتضى أن بعض أطر التفتيش كانت تمثل أحد المصادر المهنية التي يمكن الاختيار منها لشغل منصب النيابة الإقليمية، إلى جانب أساتذة التعليم الثانوي، وهكذا لم يكن المسار المهني لبعض المفتشين محصورا في ممارسة مهام التفتيش، بل كان يمكن أن يمتد إلى تحمل مسؤوليات في الإدارة التربوية على المستوى الإقليمي.
رابعا: إعادة هيكلة أسلاك التفتيش في النظام الأساسي لسنة 1967
شكل صدور المرسوم الملكي رقم 1184.66 بتاريخ 2 فبراير 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص برجال التعليم بوزارة التربية الوطنية محطة مركزية في هذه المرحلة، بالنظر إلى أنه خصص جزءا مستقلا لتنظيم أسلاك التفتيش.
وقد نص الفصل الأول على أن رجال التعليم بوزارة التربية الوطنية يتكونون، فيما يخص مجال التفتيش، من الأسلاك الآتية:
{المفتشون الممتازون؛ مفتشو تعليم الطور الثاني؛ مفتشو تعليم الطور الأول؛ المفتشون المساعدون لتعليم الطور الأول.}
ويكشف هذا التعداد عن إعادة تنظيم أسلاك التفتيش في إطار هيكلة تضم أربع فئات رئيسية، هي:
- المفتشون الممتازون
حدد الفصل الثالث مهام هذه الفئة، فنص على أنهم: {يقوم المفتشون الممتازون بتفتيش جميع موظفي التفتيش والإدارة والتعليم في جميع المؤسسات المدرسية للطورين الأول والثاني ويراقبون نظام الدروس وتطبيق البرامج والتعليمات.}
ويظهر من هذا المقتضى أن مجال تدخل المفتش الممتاز لم يكن مقتصرا على المدرسين، بل شمل أيضا موظفي التفتيش والإدارة، وامتد إلى المؤسسات المدرسية في الطورين الأول والثاني؛
أما الفصل الرابع، فقد نص على تعيينهم عن طريق التعيين المباشر من بين رجال التعليم المستوفين للشروط المحددة، مع اشتراط إثبات الاستحقاق والقدرة على ممارسة المهام والتقييد في لائحة للأهلية.
- مفتشو تعليم الطور الثاني
حدد الفصل السادس اختصاص هذه الفئة، إذ: {يكلَف مفتشو تعليم الطور الثاني بالتفتيش التربوي حسب تخصص رجال التعليم بالطور الثاني والمؤسسات المدرسية.}
أما الفصل السابع، فنص على أن تعيينهم يتم على إثر مباراة تفتح في وجه الفئات المحددة في النص، ومن بينها أساتذة السلك الثاني للتعليم الثانوي وبعض مفتشي تعليم الطور الأول المتوفرين على الشروط المطلوبة، ويبرز هذا التنظيم ارتباط التفتيش في الطور الثاني بمبدأ التخصص، سواء من حيث طبيعة المهام أو من حيث الفئات المؤهلة للولوج إليه.
- مفتشو تعليم الطور الأول
نص الفصل التاسع على أن: {يكلف مفتشو تعليم الطور الأول بتفتيش مؤسسات تعليم الطور الأول العمومية والحرة ومدارس المعلمين الإقليمية.}، وبذلك حدد النص مجال تدخل هذه الفئة في مؤسسات التعليم العمومية والخاصة ومدارس المعلمين الإقليمية.
أما الفصل العاشر، فقد نص على أن تعيينهم يتم على إثر مباراة تفتح في وجه المفتشين المساعدين وأساتذة السلك الأول للتعليم الثانوي المتوفرين على خمس سنوات من العمل في درجتهم.
- المفتشون المساعدون لتعليم الطور الأول
حدد الفصل الثاني عشر طبيعة مهامهم، إذ نص على أنه: {يعهد إلى المفتشين المساعدين في تعليم الطور الأول بمساعدة مفتشي تعليم الطور الأول والنيابة عنهم عند الاقتضاء.}
أما الفصل الثالث عشر، فقد ربط التعيين في هذا السلك بالنجاح في مباراة تفتح في وجه المعلمين الرسميين المتوفرين على ثماني سنوات من العمل بهذه الصفة.
ويكشف هذا التنظيم عن وجود تدرج مهني داخل جهاز التفتيش، يبدأ من فئة المفتشين المساعدين، مع إمكانية الانتقال إلى مستويات أخرى وفق الشروط المنصوص عليها.
خامسا: الإدماج وإعادة ترتيب التسميات التفتيشية
لم يقتصر المرسوم الملكي رقم 1184.66 على تحديد الأسلاك الجديدة، بل نظم أيضا إدماج عدد من الفئات القائمة داخل هذه الأسلاك، فقد نص الفصل السابع والثلاثون على إدماج مجموعة من الفئات في سلك مفتشي تعليم الطور الثاني، ومن بينها: {المفتشون الممتازون رؤساء المصالح؛ المفتشون الممتازون المبرزون؛ المفتشون الممتازون غير المبرزين...}.
كما نص الفصل الثامن والثلاثون على إدماج عدة فئات في سلك مفتشي تعليم الطور الأول، ومنها:
{المفتشون الإقليميون للتعليم الابتدائي؛ مفتشو التعليم الابتدائي؛ مفتشو تعليم الطور الأول؛ مفتشو التعليم الفلاحي؛ مفتشو التربية البدنية والرياضية.}.
أما الفصل التاسع والثلاثون، فنص على إدماج: {المفتشون المساعدون بالتعليم الابتدائي؛ المفتشون المساعدون بالتعليم العربي؛ المفتشون المساعدون بالتربية البدنية والرياضية} في سلك المفتشين المساعدين لتعليم الطور الأول.
وتكشف هذه المقتضيات أن نظام سنة 1967 لم يقتصر على إقرار تسميات جديدة، بل استوعب أيضا فئات وتخصصات كانت قائمة في إطار أسلاك موحدة، وهو ما يمثل تحولا مهما في البنية التنظيمية لجهاز التفتيش.
سادسا: امتداد التنظيم إلى مجالات التوجيه والخدمات الإدارية
صدر بعد ذلك المرسوم الملكي رقم 1199.66 بتاريخ 30 مارس 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص بالموظفين الإداريين بوزارة التربية الوطنية، والذي أحال في ديباجته على المرسوم الملكي رقم 1184.66، وفي مجال التوجيه المدرسي والجامعي، نص الفصل السادس عشر منه على أن المستشارين في التوجيه المدرسي والجامعي المتوفرين على خمس سنوات من العمل بدرجتهم يمكنهم المشاركة في مباراة تعيين: {مفتشي تعليم الطور الأول (فرع التوجيه المدرسي والجامعي).}، وأضاف النص أنه:
{يعهد إلى مفتشي تعليم الطور الأول المتفرعين عن سلك المستشارين بتنسيق ومراقبة أعمال المستشارين في التوجيه المدرسي والجامعي.}، ويكشف هذا المقتضى عن ظهور فرع متخصص في التفتيش المرتبط بالتوجيه المدرسي والجامعي، مع تحديد مهمته في تنسيق أعمال المستشارين ومراقبتها.
كما نص الفصل الحادي عشر من المرسوم نفسه على أنه يمكن أن يعهد للممونين، بقرار من وزير التربية الوطنية، بمراقبة تصرف بعض موظفي المصالح الاقتصادية و: {بتفتيش المطاعم المدرسية.}، وإن كان هذا المقتضى لا يتعلق بإحداث سلك تفتيش مستقل، فإنه يكشف عن استعمال وظيفة التفتيش والمراقبة في مجال المصالح الاقتصادية والخدمات المدرسية.
مسألة تاريخ مركز تكوين مفتشي التعليم: بين تاريخ الفتح وإشكال إعادة الفتح
تكتسي نهاية هذه الفترة الممتدة من {1959 إلى 1968} أهمية خاصة بالنسبة إلى تاريخ تكوين أطر التفتيش، بالنظر إلى ارتباطها بمسألة مركز تكوين مفتشي التعليم، فالموقع الرسمي للمركز يشير حاليا إلى سنة 1969 كسنة فتحه، غير أن الرجوع إلى وثيقة Annuaire de l'Afrique du Nord، في عرضها للأوضاع التعليمية بالمغرب سنة 1969، يكشف عن معطى يقتضي مزيدا من البحث والتدقيق، إذ ورد فيها:
{Le Ministre a rouvert, à Rabat, le centre de formation des inspecteurs et inspecteurs-adjoints ; un concours de recrutement a eu lieu en novembre.}
ومفاد هذه العبارة أن:
{الوزير أعاد فتح، بالرباط، مركز تكوين المفتشين والمفتشين المساعدين، وقد أجريت مباراة للانتقاء في شهر نونبر.}
وتثير عبارة {أعاد فتح} إشكالا تاريخيا لا تسمح الأمانة العلمية بتجاوزه أو الحسم فيه اعتمادا على هذا المعطى وحده، فهي تفترض، من حيث دلالتها، أن المركز كان قائما أو سبق أن اشتغل قبل سنة 1969، ثم عرف فترة توقف قبل إعادة فتحه؛
ومن ثم، لا يجوز، في هذه المرحلة من البحث، اعتبار سنة 1969 تاريخا مؤكدا لإحداث المركز دون التمييز بين تاريخ الإحداث الأول، إن ثبت وجوده، وتاريخ إعادة الفتح أو استئناف النشاط سنة 1969.
ولهذا السبب، تقتضي دراسة مرحلة ما بعد سنة 1968 تخصيص بحث مستقل لمسار هذا المركز، بالرجوع إلى النصوص القانونية والوثائق الإدارية والمصادر التاريخية التي يمكن أن تكشف عن ظروف إحداثه الأولى، وفترة اشتغاله أو توقفه، ثم الملابسات التي أحاطت بإعادة فتحه سنة 1969.
وبذلك يكون الانتقال إلى المرحلة الموالية قائما على سؤال تاريخي مفتوح، لا على افتراض مسبق بأن سنة 1969 تمثل بالضرورة لحظة ميلاد مركز تكوين مفتشي التعليم.
وتبقى هذه المسألة مفتوحة أمام مزيد من البحث والتوثيق، لاسيما في ضوء استعمال مصدر معاصر لسنة 1969 لعبارة «إعادة فتح» مركز تكوين المفتشين والمفتشين المساعدين. ومن ثم، فإن كل نص قانوني أو وثيقة إدارية أو مصدر تاريخي من شأنه أن يثبت وجود المركز قبل هذا التاريخ، أو يحدد ظروف إحداثه الأولى أو توقف نشاطه أو إعادة فتحه، يمكن أن يسهم في استكمال هذا الجانب من تاريخ تكوين أطر التفتيش بالمغرب وتدقيقه.
خلاصة
تكشف النصوص القانونية الصادرة خلال الفترة الممتدة من 1959 إلى 1968 عن انتقال تدريجي في تنظيم جهاز التفتيش داخل منظومة التربية الوطنية.
ففي حدود النصوص المتوفرة، بدأت هذه المرحلة بإعادة النظر في تسمية بعض الأطر وشروط الولوج إليها، ولا سيما مع النصوص الصادرة سنة 1963، التي نظمت وضعية مفتشي تعليم الطور الأول وشهادة الكفاءة الخاصة بهم، وحددت شروط الولوج إلى بعض فئات المفتشين المساعدين.
كما أظهرت النصوص امتداد حضور أطر التفتيش إلى مجالات الامتحانات والتقويم والتأطير والتسيير التربوي، وبرزت خلالها تسميات متخصصة، مثل مفتشي التعليم التقني، إلى جانب حضور المفتشين الممتازين في بعض مناصب المسؤولية.
غير أن التحول الأبرز تمثل في صدور المرسوم الملكي رقم 1184.66 لسنة 1967، الذي أعاد هيكلة أسلاك التفتيش في إطار موحد داخل النظام الأساسي الخاص برجال التعليم، وحدد تسمياتها ومهامها وشروط الولوج إليها، كما نظم إدماج عدد من الفئات السابقة ضمن الأسلاك الجديدة.
وبذلك تمثل الفترة الممتدة من 1959 إلى 1968 مرحلة انتقال من تنظيمات متفرقة تخص فئات أو جوانب محددة من التفتيش إلى بداية بناء إطار نظامي أكثر شمولية وتنظيما. وهي مرحلة ستشكل أساسا للتحولات التي ستتواصل خلال السنوات اللاحقة.