اقتصاد الكفاءة

دراسات اقتصادية

تكشف أحدث المؤشرات أن قطاع التكنولوجيا العالمي دخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع رأس المال البشري، حيث لم تعد تسريحات الوظائف تعكس أزمة مالية بقدر ما تعبر عن تحول في استراتيجيات الاستثمار والإنتاج. فبعد التداعيات التي خلفتها جائحة كوفيد-19، تتجه الشركات الكبرى إلى إعادة هيكلة مواردها لتكييف نماذج أعمالها مع اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت دراسة صادرة عن موقع TradingPlatforms، استناداً إلى بيانات TrueUp وTechCrunch وقواعد بيانات WARN الأميركية، أن شركات التكنولوجيا ألغت أكثر من مليون وظيفة منذ عام 2021، فيما بلغ عدد الوظائف التي أُلغيت خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 156,975 وظيفة. وإذا استمرت الوتيرة الحالية، فمن المتوقع أن يصل إجمالي الوظائف المفقودة بنهاية العام إلى نحو 290,842 وظيفة، وهو مستوى يتجاوز إجمالي التسريحات المسجل خلال عام 2025.
وتعكس هذه الأرقام تحولا في أولويات الاستثمار، إذ باتت الشركات تعيد توجيه الإنفاق من الأجور والتوسع في التوظيف إلى الاستثمار في الأصول الرقمية، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بهدف رفع الإنتاجية وتعظيم العائد على رأس المال وخفض التكاليف التشغيلية.
وتستحوذ الولايات المتحدة على النصيب الأكبر من هذا التحول، بعدما سجلت 128,170 وظيفة ملغاة منذ بداية العام، أي ما يقارب 82% من إجمالي التسريحات العالمية. ويعكس ذلك تمركز الشركات التكنولوجية العملاقة داخل الاقتصاد الأميركي، الذي يقود في الوقت نفسه موجة الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وعلى مستوى الشركات، جاءت أوراكل في صدارة المؤسسات التي أعادت هيكلة قواها العاملة بإلغاء أكثر من 25 ألف وظيفة، رغم تحقيقها نمواً لافتاً في الأرباح بلغ 95% خلال الربع الثاني من سنتها المالية، لترتفع أرباحها الصافية إلى 6.13 مليار دولار. ويشير ذلك إلى أن قرارات خفض العمالة لم تعد مرتبطة بتراجع الأداء المالي، بل بإعادة تخصيص الموارد نحو مراكز البيانات والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي.
وسارت أمازون في الاتجاه نفسه، بإلغاء أكثر من 17 ألف وظيفة، في وقت واصلت فيه تحقيق إيرادات ضخمة بلغت 716.9 مليار دولار خلال عام 2025، مع استمرار توسعها في الاستثمار في الخدمات السحابية وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ويؤكد ذلك أن الشركات أصبحت تنظر إلى الكفاءة التشغيلية باعتبارها محركاً أساسياً لتعزيز القدرة التنافسية، حتى في ظل تحقيق أرباح وإيرادات قياسية.
قطاعياً، تصدرت شركات الحوسبة السحابية والبرمجيات كخدمة (SaaS) قائمة القطاعات الأكثر خفضاً للوظائف، تلتها التجارة الإلكترونية، ثم شركات خدمات تقنية المعلومات، وهو ما يعكس انتقال القيمة الاقتصادية نحو الأنشطة الأعلى إنتاجية والأكثر اعتماداً على الأتمتة.
جغرافياً، تركزت معظم التسريحات داخل ولايات كاليفورنيا وتكساس وواشنطن ونيوجيرسي، التي تضم المقرات الرئيسية لكبرى شركات التكنولوجيا، بينما برزت أستراليا وهولندا والسويد وإسرائيل والهند ضمن أكثر الاقتصادات تأثراً خارج الولايات المتحدة، نتيجة تسارع التحول الرقمي وإعادة هيكلة الصناعات التقنية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن سوق العمل التقني يشهد تحولاً هيكلياً أكثر منه دورة انكماشية مؤقتة؛ فالشركات لا تقلص نشاطها بقدر ما تعيد توزيع عناصر الإنتاج بين العمل ورأس المال التكنولوجي. وبذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي يمثل استثماراً بديلاً عن جزء من العمالة التقليدية، في إطار اقتصاد يسعى إلى تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة بأقل تكلفة، وهو ما يعيد رسم خريطة الطلب على المهارات والوظائف في الاقتصاد الرقمي العالمي.