أكدت منظمة الصحة العالمية أن الوقاية من الخرف لم تعد ترتبط بالعوامل الوراثية وحدها، بل أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على ما يعرف في علم الأحياء وطب الشيخوخة بـ قابلية الدماغ للتكيف العصبي (Neuroplasticity) والاحتياطي المعرفي (Cognitive Reserve)، وهما آليتان بيولوجيتان تمكنان الجهاز العصبي من مقاومة مظاهر التدهور المرتبطة بالتقدم في العمر.
وتشير أحدث التوصيات إلى أن الحفاظ على شبكة اجتماعية نشطة، والانخراط المنتظم في الأنشطة المحفزة للدماغ، مثل القراءة، وسرد القصص، وألعاب التفكير، وألعاب الطاولة والورق، يسهم في تنشيط الوصلات العصبية وتعزيز كفاءة الشبكات الدماغية، مما يؤخر ظهور الأعراض السريرية للخرف لدى كثير من الأفراد.
وفي المقابل، تؤكد الأدلة أن التدخين والإفراط في استهلاك الكحول يسرعان عمليات الشيخوخة الخلوية (Cellular Aging)، ويزيدان من الإجهاد التأكسدي والالتهاب المزمن منخفض الدرجة، وهما من أبرز الآليات البيولوجية التي تساهم في فقدان الخلايا العصبية وتراجع الوظائف الإدراكية.
ويمثل هذا الموقف تطورا مهما مقارنة بالإرشادات التي أصدرتها المنظمة سنة 2019، والتي اعتبرت آنذاك أن الأدلة العلمية غير كافية لإثبات الدور الوقائي للتفاعل الاجتماعي، أما اليوم، فقد أصبحت البيانات الوبائية والدراسات الطولية تدعم بوضوح أهمية العلاقات الاجتماعية كعامل وقائي يحافظ على سلامة الوظائف الدماغية مع التقدم في السن.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن ما يقارب45 % من عوامل خطر الإصابة بالخرف يرتبط بعوامل قابلة للتعديل، وهو ما يعكس أحد المبادئ الأساسية في طب الشيخوخة، الذي يميز بين الشيخوخة الزمنية الحتمية والشيخوخة البيولوجية التي يمكن إبطاء مسارها من خلال تحسين نمط الحياة والسيطرة على عوامل الخطر.
كما تؤكد المنظمة أن النشاط البدني المنتظم لا يحافظ على اللياقة العضلية والقلبية فحسب، بل يحفز أيضاً إفراز عوامل النمو العصبي، ويحسن تدفق الدم إلى الدماغ، ويرفع كفاءة الأيض العصبي، مما يساهم في الوقاية من الخرف أو الحد من سرعة تطوره لدى المصابين.
ومن أبرز المستجدات العلمية كذلك، الاعتراف بالدور الوقائي للأجهزة المساعدة على السمع لدى الأشخاص الذين يعانون من فقدانه، فالحفاظ على المدخلات الحسية يقلل من العبء الواقع على الشبكات العصبية، ويحد من العزلة الاجتماعية والإجهاد الإدراكي، وهما عاملان يرتبطان بزيادة خطر التدهور المعرفي.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 57 مليون شخص يعيشون حالياً مع الخرف حول العالم، ومن المتوقع استمرار ارتفاع هذا العدد نتيجة زيادة متوسط العمر المتوقع، في وقت لا يزال فيه المرض يفتقر إلى علاج شافٍ، مما يجعل الوقاية والتدخل المبكر الركيزتين الأساسيتين لمواجهة العبء الصحي والاجتماعي والاقتصادي لهذا المرض.
وتشمل أهم الحالات المرضية التي ترفع احتمالية الإصابة بالخرف: ارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، والسمنة، وفقدان السمع، واضطرابات النوم، والاكتئاب. وتشترك هذه العوامل في تأثيرها السلبي على صحة الأوعية الدموية الدماغية، والتوازن الأيضي، وسلامة الخلايا العصبية، وهو ما يبرز الترابط الوثيق بين صحة الجسم وصحة الدماغ خلال مراحل الشيخوخة.