الحياد والاستقلالية في الصحافة، بين المثال المهني وواقع الممارسة

منوعات ثقافية

بقلم: عبد الرزاق بن شريج

حين اتابع الحدث... اتذكر الصحافة التي تعلمتها

وأنا أتابع الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أتوقف كثيرا عند الطريقة التي يقرأ بها بعض الصحفيين ما يجري، هناك من يتجاوز نقل الحدث إلى تحليله وتفكيكه، ويربطه بالسياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، مستندا إلى ما يتوفر عليه من معطيات ومصادر، وفي المقابل، هناك من يكتفي بتغطية أنشطة المسؤولين ونقل تصريحاتهم وشرح بعض القضايا المتداولة، في حدود ما هو رسمي أو شائع.
لا أضع هؤلاء في خانة واحدة، ولا أعتبر الاختلاف بينهم عيبا، فتنوع زوايا النظر جزء من التعددية الصحافية، لكن هذا الاختلاف يعيدني دائما إلى سؤال تعلمته في المعهد العالي للصحافة والإعلام، وهو: إلى أي درجة يمكن أن يكون الصحفي محايدا ومستقلا؟

سؤال خرج من قاعة المناقشة
خلال مناقشة البحث الذي تقدمت به لنيل الإجازة في الصحافة، تخصص الصحافة الشاملة، بالمعهد العالي للصحافة والإعلام، حيث كنت في موقع الطالب الذي يناقش بحثه أمام لجنة، ولذلك لم يكن من حقي الدخول في نقاش مواز أو إبداء رأيي في اختلاف وجهات النظر بين أعضاء لجنة المناقشة.
أما النقاش الذي استوقفني، فقد دار بين أعضاء اللجنة أثناء مناقشة بحث طالب آخر، وكان مفهوم الحياد الصحفي من بين القضايا التي أثارت اختلافا في وجهات النظر، فقد اعتبره أحد الآراء أساسا لا غنى عنه للممارسة المهنية، بينما رأى رأي آخر أن الحديث عن الحياد المطلق يصعب أن يجد له مكانا في واقع الممارسة الصحفية.
خرجت من القاعة والسؤال يرافقني: هل الحياد الذي نتعلمه في الكتب ممكن فعلا عندما نمارس الصحافة؟

الحياد... بين المبدأ والواقع
تعلمت في المعهد العالي للصحافة أن الصحفي النزيه لا يبدأ من حكم مسبق، ثم يبحث عما يؤيده، وإنما يبدأ من الوقائع، ويتحقق منها، ويقارن بين المصادر، ويستمع إلى مختلف الأطراف، غير أن الصحفي ليس آلة تصوير تنقل الواقع كما هو، فهو يختار الموضوع، والمصادر، والأسئلة، والعنوان، والصورة، والمساحة التي يمنحها لكل طرف، وحتى ما لا ينشره قد يؤثر في الصورة التي تصل إلى الجمهور، لهذا، فالحياد قيمة مهنية ضرورية، لكن الحياد المطلق يبدو أقرب إلى المثال النظري منه إلى واقع الممارسة، وهذا ما تؤكده أيضا المقاربة السوسيولوجية للصحافة، التي تنظر إلى الخبر باعتباره نتاجا لمؤسسة ومصادر وعلاقات وسياقات اجتماعية ومهنية، وليس مجرد واقعة تنتقل آليا من الواقع إلى القارئ.

الاستقلالية ليست أقل تعقيدا
الصحفي لا يعمل في فراغ، وراءه مؤسسة لها خط تحريري، ومالك أو إدارة، ومصادر، وجمهور، وظروف اقتصادية ومهنية، وله أيضا تكوينه وثقافته وتجربته وقناعاته، لذلك، لا تعني الاستقلالية أن الصحفي بلا تأثيرات، وإنما أن هذه التأثيرات لا تتحول إلى قيود تمنعه من قول ما تثبته الوقائع، وقد يكون للصحفي موقف سياسي أو اجتماعي، لكن ذلك لا يعطيه الحق في تحريف معلومة أو إخفاء حقيقة أو تقديم رأيه باعتباره خبرا.


الخبر مقدس والتعليق حر
في هذا السياق أستحضر العبارة المنسوبة إلى الملك الراحل محمد الخامس خلال لقائه بأسرة الصحافة والإعلام سنة 1956: "الخبر مقدس والتعليق حر"، وتكمن أهمية العبارة في التمييز بين الخبر والرأي، فالخبر يحتاج إلى التحقق والدقة ونسبة المعلومات إلى مصادرها، بينما يتيح التعليق مساحة أوسع للتحليل وإبداء الموقف، فالمشكلة ليست أن يكون للصحفي رأي، وإنما أن يقدمه للقارئ في صورة حقيقة.

من يكتب؟ ومن يتحدث؟
يبقى سؤال أكثر حساسية: هل كل ما يكتبه الصحفي يعبر فعلا عن قناعته؟
الصحفي قد يكتب داخل مؤسسة لها توجه تحريري محدد، وقد يملك في المقابل مساحة واسعة للتعبير عن رأيه، خصوصا في المقال والتحليل والافتتاحية، لذلك، فإن معرفة من يتحدث، وبأي صفة، ومن أي موقع، مسألة أساسية لفهم المادة الصحفية، فالخط التحريري ليس بالضرورة عيبا؛ المشكلة عندما يصبح سببا في إخفاء معطيات جوهرية أو منع أسئلة ضرورية أو تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة.

اختلاف الصحفيين... ثراء أم مشكلة؟
إذا كان الصحفيون لا يقرأون الأحداث بالطريقة نفسها، فليس المطلوب بالضرورة أن يفعلوا ذلك، فصحفي يحلل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وآخر يركز على نقل الأخبار، وثالث يمارس التحقيق، ورابع يقدم رأيا نقديا، يمكن أن يشكلوا معا مشهدا صحافيا أكثر تعددية، المهم أن يكون الاختلاف في القراءة والتفسير والموقف، لا في اختلاق الوقائع.
وهنا تصبح التعددية الصحافية ذات قيمة تتجاوز الإعلام نفسه، فهي تتيح للمجتمع تعدد الأصوات، وتفتح المجال للنقاش والمساءلة، وتساعد المواطنين على فهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من زوايا مختلفة، بما يدعم المشاركة في الشأن العام.

 

خلاصة
بعد تلك المناقشة، لم أعد أرى الحياد باعتباره قدرة على إلغاء الذات، ولا الاستقلالية باعتبارها التحرر من كل تأثير، لأن الصحفي إنسان له تكوين وتجربة وقناعات، ويعمل داخل مؤسسة لها خط تحريري، لكن عليه أن يضبط ذلك كله مهنيا،
لذلك، أرى أن الحياد المطلق قد يكون مستحيلا، لكن النزاهة المهنية ليست كذلك.
يمكن أن تكون للصحفي قناعة وموقف وقراءة خاصة، شريطة أن يتحقق من الوقائع، ويفصل بين الخبر والرأي، ويكشف مصادره، ويعترف بالخطأ، ولا يسمح لموقفه بأن يتحول إلى تزييف للحقيقة، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل يستطيع الصحفي أن يكون محايدا ومستقلا؟ بل: كيف يحافظ على نزاهته، وهو يمارس مهنة تقوم أصلا على الاختيار والبحث والتفسير؟
قد تكون الحيادية نسبية، وقد تكون الاستقلالية نسبية، لكن الصدق مع الوقائع، وحق الجمهور في المعرفة، وحرية الصحفي في مساءلة الواقع، هي الأسس التي تمنح التعددية الصحافية معناها وقيمتها.