بقلم: الأستاذ الطاهر كردلاس
لقد كتبت هذا المقال أول مرة بتاريخ 24 فبراير 2009.
في سياق تربوي واجتماعي كانت فيه المؤسسة التعليمية المغربية تعيش تحولات متسارعة، لكنها كانت لا تزال، في كثير من مظاهرها، أسيرة أنماط تقليدية في التفكير والتدبير وبناء العلاقات بين مختلف الفاعلين التربويين. وقد حاولت آنذاك أن أقترب من منطقة ظلت، إلى حد بعيد، خارج دائرة الضوء: العلاقات الإنسانية والاجتماعية والنفسية والرمزية التي تحكم الحياة اليومية داخل المؤسسة التعليمية، باعتبارها عاملاً لا يقل أهمية عن المناهج والبرامج والقوانين في تحديد المناخ المدرسي، وفي التأثير في مردودية المؤسسة وفاعليتها.
ولم تكن المسألة، بالنسبة إليّ، مجرد رصد لبعض السلوكات العابرة أو تسجيل ملاحظات حول علاقة مدير بمدرس، أو مدرس بتلميذ، أو مؤسسة بأسرة، وإنما كانت محاولة لطرح سؤال أعمق: ماذا يحدث داخل المؤسسة التعليمية حين تتحول العلاقات المهنية إلى علاقات قوة، وحين تتغلب الذاتية والمزاجية والنرجسية على القانون والحوار والمنطق؟ وما الذي يحدث للعملية التعليمية حين يصبح الخوف أقوى من الثقة، والصمت أقوى من الحوار، والحذر أقوى من التعاون؟
واليوم، بعد مرور سبعة عشر عاماً، أجد أن إعادة نشر هذا المقال لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لنص قديم، وإنما مناسبة لإعادة مساءلة أطروحته في ضوء التحولات العميقة التي عرفتها المدرسة والمجتمع والإنسان نفسه. فقد تغيرت المؤسسات، وتغيرت القوانين والمقاربات والاستراتيجيات، وتغيرت التكنولوجيا، وتغيرت أدوار الفاعلين وانتظاراتهم، بل تغيرت طبيعة الأجيال التي تدخل المدرسة اليوم. لكن السؤال الجوهري ظل قائماً: هل تغيرت فعلاً طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، أم أننا غيرنا اللغة والمصطلحات والأدوات بينما بقيت بعض البنيات الذهنية العميقة على حالها؟
إن المؤسسة التعليمية ليست مجرد بناية تضم أقساماً ومكاتب وساحات، وليست مجرد جهاز إداري لتصريف البرامج والمقررات والامتحانات؛ إنها قبل كل شيء فضاء إنساني واجتماعي تتقاطع داخله السلطة والمعرفة والمصلحة والهوية والاعتراف والصراع والتعاون. ولذلك فإن فهم المدرسة يقتضي ألا ننظر إليها فقط من خلال نتائج المتعلمين أو جودة المناهج، بل من خلال شبكة العلاقات التي تنتظم داخلها، لأن هذه العلاقات قد تكون عاملاً في إنتاج النجاح كما قد تكون مصدراً خفياً لإنتاج الإحباط والعنف والمقاومة والانكفاء.
لقد كانت هناك، ولا تزال في بعض السياقات، ظواهر اجتماعية خفية لا تظهر بسهولة في الوثائق الرسمية ولا في التقارير الإدارية. ظواهر تعيش في الممرات والمكاتب وقاعات الأساتذة والفصول الدراسية والاجتماعات والمجالس، ويتحدث عنها المعنيون بها في صمت، أو من وراء حجاب. وهي ظواهر لا تنتظم دائماً بالقوانين والتشريعات وحدها، وإنما تتحكم فيها أيضاً الأعراف، والعادات، والثقافة التنظيمية، والتمثلات الشخصية، والمزاج، والسلطة الرمزية، وشبكات النفوذ، والصراعات الخفية.
وهنا بالضبط تتجاوز المسألة بعدها الإداري لتصبح مسألة سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسيكولوجية. فالمؤسسة لا تطبق القانون فقط؛ إنها تنتج ثقافتها الخاصة. وقد يكون القانون واحداً، لكن طريقة تطبيقه تختلف باختلاف الأشخاص والعقليات والسياقات. وقد تكون الصلاحيات نفسها محددة في النصوص، لكن ممارستها قد تتراوح بين القيادة الديمقراطية والتسلط، وبين المرونة والصرامة، وبين الإنصاف والانتقائية، وبين الاحتكام إلى القانون والاحتكام إلى المزاج.
ولعل أحد جذور هذه الظاهرة يعود إلى الثقافة الاجتماعية التي تشكل الوعي الفردي والجماعي. فقد حملت مجتمعاتنا، بدرجات متفاوتة، إرثاً من الثقافة الأبوية والتراتبية والتسلطية؛ حيث يرتبط الموقع الاجتماعي أو الإداري أحياناً بامتلاك الحق في الأمر، بينما يُختزل الآخر في موقع التنفيذ والطاعة. وهذه البنية لا تتوقف عند حدود الأسرة أو المجتمع، بل يمكن أن تتسرب إلى المدرسة والإدارة والقسم، فتتحول السلطة التربوية من وسيلة لتنظيم التعلم إلى وسيلة لإنتاج الخضوع.
وهنا يصبح من المفيد استحضار ما كشفه ميشيل فوكو عن العلاقة بين السلطة والمعرفة؛ فالسلطة ليست دائماً قراراً يصدر من أعلى، وإنما يمكن أن تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى طريقة الجلوس، والمراقبة، والتقويم، والانضباط، وتوزيع الكلام والصمت. كما أن بيير بورديو نبه إلى أن المدرسة قد تعيد إنتاج أشكال من السلطة الرمزية دون أن يبدو ذلك دائماً في صورة عنف مباشر. فاللغة، والامتيازات، والتصنيفات، والتوقعات، وحتى طريقة النظر إلى المتعلم، يمكن أن تتحول إلى آليات خفية لإنتاج التفاوت والتراتبية.
ولذلك فإن الحديث عن السادية المادية والرمزية داخل المؤسسة التعليمية لا يعني اتهام جميع الفاعلين التربويين، وإنما يعني الانتباه إلى أن العنف لا يكون دائماً جسدياً. فقد يكون كلمة جارحة، أو سخرية، أو تحقيراً، أو تجاهلاً، أو تصنيفاً مسبقاً، أو تشكيكاً دائماً في قدرات المتعلم، أو استعمالاً تعسفياً للسلطة. وقد يكون أيضاً إقصاءً لمدرس من المشاركة، أو احتقاراً لرأيه، أو تحويل الاختلاف المهني إلى عقوبة رمزية.
في الماضي كان العقاب الجسدي، للأسف، يجد في بعض البيئات التعليمية ما يبرره باسم التربية والانضباط. أما اليوم فقد تطور الوعي بحقوق الطفل وكرامته، وأصبح العنف بكل أشكاله موضع مساءلة أخلاقية وتربوية وقانونية. ولم تعد السلطة التربوية قادرة على أن تستمد مشروعيتها من مجرد الموقع؛ فـالمدرس لا يصبح صاحب حق في التأثير لأنه يقف أمام التلميذ فقط، وإنما لأنه يمتلك المعرفة والكفاءة والقدرة على الإقناع وبناء الثقة.
لقد تغير مفهوم المتعلم نفسه. فلم يعد التلميذ مجرد وعاء ينبغي ملؤه بالمعارف، وإنما أصبح شخصاً له شخصيته وإيقاعه النفسي والاجتماعي وذكاؤه المتعدد وحاجاته وحقوقه وفروقُه الفردية. ومن هنا تكتسب البيداغوجيا الفارقية أهميتها؛ لأن مخاطبة جميع المتعلمين بالطريقة نفسها والوتيرة نفسها والتوقعات نفسها قد تتحول إلى ظلم تربوي غير مقصود.
إن المتعلمين لا يتعلمون بالطريقة نفسها. منهم السريع والبطيء، والمنطقي والخيالي، والاجتماعي والمنطوي، ومنهم من يحتاج إلى الدعم أكثر من غيره. ولذلك فإن المدرس الذي يعاقب المتعثر لأنه لم يستطع مواكبة الإيقاع العام قد يزيد تعثره بدل أن يعالجه. وقد يؤدي الإحباط المتكرر إلى الانطواء أو العنف أو النفور من المدرسة. إن التربية ليست معركة لإثبات سلطة المدرس، وإنما عملية لبناء الإنسان.
ومن هنا تبرز أهمية العلاقة الإنسانية داخل القسم. فكلما اقترب المدرس من عالم المتعلم، وفهم لغته النفسية والاجتماعية، واحترم خصوصيته، وفتح أمامه مجال التعبير والمبادرة، تراجع الحاجز النفسي بين الطرفين. وليس المقصود بذلك إلغاء سلطة المدرس أو تحويل القسم إلى فضاء بلا ضوابط، وإنما الانتقال من سلطة الإكراه إلى سلطة الكفاءة، ومن الخوف إلى الثقة، ومن الطاعة العمياء إلى الانضباط الواعي.
والأمر نفسه ينطبق على الإدارة التربوية. لقد تغيرت وظيفة المدير بصورة كبيرة. فلم يعد المدير المعاصر مجرد حارس للنظام الإداري، مهمته الأساسية مراقبة الغياب والتأخر والاستفسارات والانقطاعات والشواهد الطبية والوثائق ودفاتر النصوص والمجالس، وإن كانت هذه المهام جزءاً ضرورياً من عمله. لكنه لم يعد يستطيع أن يختزل الإدارة في هذه الوظائف.
إن المدير المعاصر مطالب بأن يكون قائداً تربوياً، ومدبراً للموارد البشرية، ومنسقاً للفريق، ووسيطاً في النزاعات، ومحفزاً للمبادرة، وصانعاً للمناخ المدرسي. فنجاح المؤسسة لا يقاس فقط بمدى احترام المساطر، وإنما أيضاً بقدرتها على خلق بيئة يشعر فيها المدرس بالتقدير، والمتعلم بالأمان، والإداري بالاحترام، والأسرة بالثقة.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من ثقافة الإدارة إلى ثقافة القيادة. فالإدارة تستطيع أن تفرض التعليمات، أما القيادة فتبني الاقتناع. والإدارة تستطيع أن تراقب، أما القيادة فتعبئ. والإدارة تستطيع أن تعاقب، أما القيادة فتستطيع أن تغير السلوك من الداخل.
لقد انتقلنا نظرياً من نموذج «أنا أقرر وأنتم تنفذون» إلى نموذج «نحن نفكر ونخطط وننجز ونقوّم». لكن الانتقال الحقيقي لا يتحقق بمجرد استعمال مصطلحات مثل الحكامة والتشاركية والمشروع والمؤسسة المواطنة؛ وإنما يتحقق حين تصبح هذه المفاهيم ممارسة يومية وثقافة راسخة.
والعلاقة بين الإدارة وهيئة التدريس تظل واحدة من أكثر العلاقات حساسية داخل المؤسسة. فإذا غابت الثقة، تحول الاختلاف المهني إلى صراع شخصي، وتحولت الاجتماعات إلى ساحات للدفاع عن المواقع، وأصبح كل طرف يقرأ سلوك الطرف الآخر باعتباره تهديداً لمكانته. أما حين يسود الاحترام المتبادل، يصبح الاختلاف مصدر قوة، لأن المؤسسة التي لا تسمح بالاختلاف تتحول في النهاية إلى مؤسسة تنتج الصمت.
كما أن المدرسين أنفسهم مطالبون بمراجعة بعض تمثلاتهم. فالمؤسسة ليست مجرد فضاء يدخل إليه المدرس لتدريس حصصه ثم يغادره. إن المدرس جزء من مشروع جماعي، والعمل التربوي المعاصر يتطلب التنسيق والتقاسم والتعاون وتبادل الخبرات. ولذلك ينبغي أن تتحول قاعة الأساتذة من مجرد فضاء للراحة أو تداول الشكاوى إلى فضاء للتفكير المهني الجماعي.
ولا تقل العلاقة بين المدرسين والإدارة أهمية عن العلاقة بين المؤسسة والأسر. فقد تغيرت الأسرة نفسها، وتغيرت انتظاراتها من المدرسة. وأصبحت العلاقة معها أكثر تعقيداً، خصوصاً مع سهولة الوصول إلى المعلومة وظهور شبكات التواصل الاجتماعي. فالأسرة تريد نتائج أفضل، والمدرس يريد احترام استقلاليته المهنية، والإدارة تريد حماية النظام العام للمؤسسة؛ ومن دون قنوات واضحة للحوار يمكن لهذه المصالح المشروعة أن تتحول إلى مصادر للصراع.
ثم جاءت الثورة الرقمية لتعيد تشكيل المشهد برمته. لم تعد المؤسسة التعليمية مغلقة داخل أسوارها. فخبر صغير قد ينتشر في دقائق، وسلوك فردي قد يتحول إلى قضية عامة، وموقف عابر داخل القسم قد يصبح موضوعاً للتداول في فضاء رقمي واسع. لقد أصبحت المدرسة تعيش في فضاء مزدوج: فضاء فيزيائي وفضاء رقمي.
وهذا التحول خلق فرصاً هائلة للتواصل والتعلم، لكنه خلق في الوقت نفسه مخاطر جديدة: التنمر الإلكتروني، التشهير، نشر الصور دون إذن، الاستقطاب، تضخم النزاعات، وسرعة انتقال المعلومات قبل التحقق منها. وهكذا لم تعد العلاقات المدرسية تُبنى فقط وجهاً لوجه، وإنما أصبحت تُبنى أيضاً عبر الشاشات.
أما الذكاء الاصطناعي فقد فتح مرحلة جديدة أكثر عمقاً؛ إذ لم يعد السؤال يتعلق فقط بكيفية استعمال التكنولوجيا، بل بكيفية إعادة تعريف أدوار المدرس والمتعلم والمدرسة. فإذا كانت الآلة قادرة على إنتاج النصوص والإجابات والصور والمعلومات، فإن قيمة المدرس لن تكون في مجرد نقل المعلومة، بل في تعليم التفكير النقدي، والتحقق، والتحليل، والتمييز بين الحقيقة والوهم، وبناء الشخصية والضمير والمسؤولية.
إن هذه التحولات كلها تؤكد أن إصلاح المؤسسة التعليمية ليس مسألة تقنية فقط. يمكن أن نغير البرامج، ونقتني الحواسيب، ونستعمل المنصات، ونحدث البنيات، ونصدر المذكرات، لكننا سنظل ندور حول المشكلة نفسها إذا لم نغير الثقافة العلائقية التي تحكم المؤسسة.
فقد تتغير التكنولوجيا بينما تبقى العقلية قديمة. وقد تتغير المصطلحات بينما تستمر الممارسات نفسها. وقد نتحدث عن الحكامة التشاركية بينما تُتخذ القرارات بشكل فردي. وقد نتحدث عن المتعلم محوراً للعملية التعليمية بينما يعامل في الواقع كموضوع للتلقين والتقويم. وقد نتحدث عن الديمقراطية المدرسية بينما يخاف بعض الفاعلين من التعبير عن آرائهم.
وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحاً: هل يمكن تحديث المؤسسة من دون تحديث الإنسان الذي يديرها ويعمل فيها؟
ربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن الإصلاحات غالباً ما تبدأ من الهياكل والبرامج والوثائق، بينما لا تصل دائماً إلى أعماق الثقافة المهنية. فالمؤسسة ليست فقط ما تنص عليه القوانين؛ إنها أيضاً ما يعتقده الناس ويفعلونه حين لا تكون القوانين حاضرة أمام أعينهم.
ولهذا فإن العلاقات داخل المؤسسة تحتاج إلى أن تُفهم باعتبارها رأسمالاً تربوياً. فالثقة رأسمال، والاحترام رأسمال، والتعاون رأسمال، والاعتراف بالكفاءة رأسمال، والقدرة على تدبير الاختلاف رأسمال. وإذا أُهدرت هذه الموارد غير المادية، فقد تصبح المؤسسة غنية بالوثائق وفقيرة في الروح.
إن المؤسسة الناجحة ليست المؤسسة التي يخاف فيها الجميع من المدير، ولا المؤسسة التي يتخلص فيها الجميع من كل سلطة، وإنما المؤسسة التي تتحول فيها السلطة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى التزام، والاختلاف إلى حوار، والحوار إلى قرار جماعي، والقرار إلى عمل، والعمل إلى نتائج.
ومن هذه الزاوية ينبغي إعادة التفكير في مفهوم السلطة نفسه. فالسلطة التي تحتاج باستمرار إلى رفع الصوت وإظهار القوة وإخضاع الآخرين هي سلطة هشة؛ أما السلطة التي تستمد قوتها من الكفاءة والعدل والاتزان والقدرة على الإنصات فهي أكثر رسوخاً واستدامة. وهذا ما يجعل التحول من سلطة التحكم إلى سلطة الاعتراف أحد أهم رهانات المدرسة المعاصرة.
فالاعتراف يعني أن أعترف بالمتعلم كذات لا كرقم، وبالمدرس كمهني لا كمنفذ، وبالمدير كقائد لا كحارس، وبالإداري كشريك لا كموظف هامشي، وبالأسرة كشريك لا كخصم، وبالمجتمع باعتباره محيطاً للمدرسة لا مجرد فضاء خارجي.
إن الأمر يتعلق في العمق بـثورة كوبيرنيكية في الوعي التربوي: أن ننتقل من تمركز كل طرف حول ذاته إلى الاعتراف بالآخر. أن يتراجع «أنا» لمصلحة «نحن»، وأن يتحول الاختلاف من تهديد إلى إمكانية، وأن يصبح الإنسان غاية للعملية التعليمية وليس مجرد وسيلة لتحقيق المؤشرات والنتائج.
ولذلك فإن العودة إلى هذا المقال بعد سبعة عشر عاماً ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي مساءلة للحاضر. فما الذي تغير؟ وما الذي لم يتغير؟ وأي أشكال جديدة من السلطة ظهرت؟ وأي أشكال قديمة ما تزال متخفية خلف مفردات حديثة؟ وهل نجحنا فعلاً في بناء المؤسسة التشاركية التي نتحدث عنها؟ وهل أصبح الحوار ممارسة يومية أم بقي في بعض الأحيان خطاباً مؤسساتياً جميلاً؟ وهل تحرر المتعلم من الخوف؟ وهل تحرر المدرس من الإحباط؟ وهل تحررت الإدارة من عقلية التحكم؟
هذه ليست أسئلة لإدانة أحد، ولا هي محاكمة للأشخاص، وإنما هي أسئلة لفهم البنية العميقة للحياة المدرسية. فالمؤسسة التعليمية لا يمكن أن تتقدم بإلقاء المسؤولية على طرف واحد؛ لأن العلاقة شبكة، وما يحدث بين المدير والمدرس يؤثر في المدرس والمتعلم، وما يحدث داخل القسم ينعكس على الأسرة، وما يحدث بين المؤسسة ومحيطها يعود في النهاية إلى المتعلم.
ومن هنا فإن الظواهر التي تحدثنا عنها منذ 2009 تستحق اليوم أن تُدرس بأدوات أكثر تركيباً: سوسيولوجياً، وسيكولوجياً، وأنثروبولوجياً، وحقوقياً، وتربوياً، بل وفلسفياً أيضاً. لأن المدرسة ليست مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، وإنما هي آلة لإنتاج العلاقات والقيم والتمثلات والسلطة والمواطنة.
وإذا كانت المدرسة تعلم الطفل كيف يقرأ ويكتب ويحلل، فإنها تعلمه أيضاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، كيف يتعامل مع السلطة، وكيف يختلف، وكيف يحاور، وكيف يحترم الآخر، وكيف يدافع عن حقه، وكيف يتحمل مسؤوليته. ولذلك فإن الطريقة التي نعامل بها الإنسان داخل المدرسة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الدرس الذي نقدمه له حول الديمقراطية والحقوق والمواطنة.
فالمدرسة التي تتحدث عن الديمقراطية ولا تمارسها، وعن الاحترام ولا تحترمه، وعن الحوار ولا تسمح به، وعن الكرامة ثم تمارس الإهانة، إنما تقدم للمتعلم درساً مضاداً لكل ما تقوله الكتب.
ومن هنا أعتقد أن إصلاح العلاقات داخل المؤسسة التعليمية ليس ملفاً ثانوياً، بل هو أحد الشروط العميقة لإصلاح التعليم نفسه. فالمناهج تحتاج إلى علاقات إنسانية كي تُفعّل، والتكنولوجيا تحتاج إلى ثقافة مهنية كي تُستثمر، والحكامة تحتاج إلى الثقة كي تنجح، والقوانين تحتاج إلى ضمير مهني كي تتحول من نصوص إلى ممارسة.
إن الرهان الحقيقي ليس أن نبني مؤسسة أكثر صرامة، وإنما أن نبني مؤسسة أكثر عدلاً وإنسانية وذكاءً وقدرة على الاعتراف بالاختلاف. مؤسسة لا تجعل السلطة غاية في ذاتها، ولا تحول القانون إلى أداة للانتقام، ولا تجعل التواصل امتيازاً لفئة دون أخرى، ولا تجعل الخطأ سبباً للإذلال، ولا تجعل الاختلاف سبباً للإقصاء.
لقد كتبت سنة 2009 عن علاقات كانت تبدو في ظاهرها عادية، لكنها كانت تخفي وراءها الكثير من التوترات والصراعات والتمثلات. واليوم، في 2026، تبدو الصورة أكثر تعقيداً: تغيرت الأدوات، وتغيرت الأدوار، وتغيرت الأجيال، وتغيرت استراتيجيات العمل، وتغيرت التكنولوجيا، لكن الإنسان ظل في قلب المسألة.
ولهذا فإن السؤال الأخير الذي ينبغي أن نتركه مفتوحاً ليس: من المخطئ ومن المصيب؟ وإنما: أي مدرسة نريد أن نبني؟
مدرسة ينتظم فيها الجميع خوفاً من السلطة، أم مدرسة ينتظم فيها الجميع حول قيمة مشتركة؟ مدرسة تنتج الطاعة، أم مدرسة تنتج المواطن؟ مدرسة تكتفي بتدبير الموارد والوثائق، أم مدرسة تدبر الإنسان قبل كل شيء؟ مدرسة يظل فيها «الآخر» خصماً محتملاً، أم مدرسة يصبح فيها الآخر شريكاً في صناعة المعنى؟
ربما يبدأ الإصلاح الحقيقي من هنا: من الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا البعض.
فحين ننظر إلى التلميذ باعتباره إنساناً قبل أن يكون رقماً، وإلى المدرس باعتباره شريكاً قبل أن يكون موظفاً، وإلى المدير باعتباره قائداً قبل أن يكون سلطة، وإلى الأسرة باعتبارها شريكاً قبل أن تكون مصدر إزعاج، وإلى الاختلاف باعتباره ثراءً لا تهديداً، نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو مدرسة مختلفة.
إن المدرسة التي لا تنتج إنساناً متحرراً من الخوف، ولا تمنح المدرس فضاءً يحفظ كرامته، ولا تجعل الإدارة فضاءً للإنصاف، ولا تحول الاختلاف إلى حوار، ستظل عاجزة عن صناعة المستقبل مهما بلغت جودة برامجها وتجهيزاتها.
ومن هنا تأتي قيمة هذا النص الذي بدأ سنة 2009 واستمر سؤالُه إلى اليوم: ليس لأنه يقدم أجوبة نهائية، وإنما لأنه يصر على أن هناك شيئاً أعمق من المناهج والمساطر والبرامج يستحق أن نفكر فيه: الإنسان الذي يصنع المدرسة، والإنسان الذي تصنعه المدرسة.
ولعل أعظم إصلاح تربوي يمكن أن ننجزه في النهاية ليس أن نغير ما ندرسه فقط، وإنما أن نغير كيف نعيش معاً داخل المؤسسة.
فالمدرسة التي يتعلم فيها الناس كيف يحترمون بعضهم، وكيف يختلفون دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وكيف يمارسون السلطة دون تسلط، وكيف يمارسون الحرية دون فوضى، وكيف يتحملون المسؤولية دون خوف، هي المدرسة التي يمكن أن تنتقل فعلاً من منطق إعادة إنتاج الواقع إلى منطق صناعة المستقبل.
وهكذا، فإن ما كتبته سنة 2009 لم يعد مجرد نص عن «طبيعة العلاقات السائدة في المؤسسات التعليمية»، بل أصبح، بعد كل هذه التحولات، سؤالاً مفتوحاً حول طبيعة الإنسان الذي نريد أن نبنيه داخل المدرسة، وطبيعة المجتمع الذي نريد أن تساهم المدرسة في بنائه.