"الثقافة الملعونة مرة أخرى

آراء ثقافية

​بقلم: الطاهر كردلاس

منذ أن كتبتُ على بياض جريدة إلكترونية في شهر يونيو 2008، مقالا تحت عنوان: «الثقافة الملعونة». أحسست أن انصرام عشرين سنة تقريبا قد ناءت تحتها ذاكرة العابرين على حواف العبث واللاجدوى...


لقد كنت أستجلي يومها أفقاً سوسيولوجياً وثقافياً يحمل ملامح محددة؛ سياقاً تتسيّده ثقافة متوارثة، وإعلاماً شحيحاً ومحاصراً، وفضاءً عموماً لم تلوثه بعد هندسة الخوارزميات ولم تعبث ببنيته التكنولوجيا الرقمية الكاسحة التي أدخلتنا عصر "الانبثاق الرقمي المطلق". كان الهاجس الأوحد، بل الكابوس الجاثم على الصدر، هو تفكيك تحول الثقافة من مشعل للإضاءة والتحرر إلى آلية ماكرة لإعادة إنتاج الخضوع، وتدجين الكائن في قوالب الإطاعة العمياء. واليوم، على شفا هذا الزمن الما بعد حداثي المأزوم، لا أعود إلى ذلك النص لأستنسخ جثةً هامدة، بل لأعيد استنطاق السؤال من داخل جوف المتاهة ذاتها. لقد تبدلت أدوات الهيمنة؛ تفككت الحدود، وتلاشى احتكار المعرفة، وطلع علينا "الهاتف الذكي" ككائن سحري مرعب: مكتبة شاملة، منبر مفتوح، محفل خطابة، مرآة مشوهة للذات، وسوق استهلاكي لا ينام. لكن، هل تحرر الإنسان حقاً من قبضة الثقافة بانفتاح الأسوار؟ العكس هو ما حدث تماماً. لقد أصبحت الثقافة أكثر راديكالية في توغلها؛ إذ لم تعد تسلل عبر القنوات الكلاسيكية للأسرة والمدرسة والكتاب المطبوع فحسب، بل باتت تقتحم البنية التحتية للوعي واللاوعي معاً، متخفيةً في ثوب الشاشات المضيئة، وتوجيهات الخوارزميات، وشروط اقتصاد السوق، وهستيريا "الجماعة الافتراضية".
​لقد تغير شكل السلطة ومظهرها الخارجي، لكن جوهر العنف الرمزي والمادي تضاعف وتجذر. الثقافة في ذاتها ليست "لعنةً" مطلقة، فهي ذروة المنجز الإنساني، وحافظة الذاكرة، ومرساة المعنى. لكنها تتحول إلى "رجس فكري" حين تنقلب من أداة تقويض للسؤال إلى منظومة "أجوبة جاهزة"، ومن ممر لعبور العقل إلى منصة مصممة لإخصائه. الإنسان، في أصله الوجودي، لا يولد بعقل مكتمل يختار به هويته المعرفية؛ بل يولد مُلقىً به في "جحيم جاهز" من الثقافة التي لم يخترها. يبتلع اللغة قبل أن تفكك ألسنته شفراتها، ويتشرب القيم قبل أن يسأل عن منبتها، ويتلقى حزم الخير والشر والنجاح والانتماء كمعطيات رياضية، ليكتبر لاحقاً أنه ليس سوى صدىً لأفكارٍ لم يولد بها قط. إننا لا نفكر.. بل يُفَكَّر فينا. هنا تتجلى المأساة الكافكاوية في أطهر صورها: يقضي الكائن عمره بأكمله يستميت في الدفاع عن قناعات لم يختبرها يوماً بوعيٍ حر. وتلك هي المسافة الحدّية الفاصلة بين التلقين والوعي، بين التبعية والحرية الحقيقية. لقد علّمنا ماركس كيف تتسرب الأفكار من رحم البنى الاقتصادية، وأبان غرامشي كيف تترسخ الهيمنة حتى يتماهى الضحية مع سجنه ويراه النظام الطبيعي الوحيد الممكن. أما فوكو، فقد ذهب إلى أبعد تخوم التفكيك، ليؤكد أن السلطة لا تمارس قمعها بالهراوة والمنع فحسب، بل بالأحرى بإنتاج الخطابات والمعايير التي تقنعنا بأن ما هو مصطنع يبدو لنا طبيعيًا ومعقولًا وحقيقيًا. ومن هنا، فإن أخطر سلطة في تاريخ الوجود البشري ليست تلك التي تصرخ في وجهك: "قف.. ممنوع التفكير!"، بل تلك الناعمة التي تُفرغ في داخلك رغبة التفكير خارج حدود أسوارها. حينها، تذوب الحدود بين الخارج والداخل، ولا يعود "السجان" محتاجاً للوقوف على الباب، لأن السجين قد حمل زنزانته في صميمه وصار يحرسها بنفسه.
​لكن مأساة الإنسان المعاصر تجاوزت هذه الحدود الكلاسيكية لتتخذ شكلاً رقمياً راديكالياً. فبينما كانت السيطرة تاريخياً تمر عبر بوابات الرقابة والمؤسسات، أصبحت اليوم مبرمجة في قلب الخوارزميات. لقد تحرر الإنسان من احتكار المعلومة، لكنه وقع أسيراً لاحتكار الانتباه. لم تعد الأزمة في حجب الحقيقة، بل في طوفان المعلومات الذي يغرق السطح والعمق معا. انتقلنا من "سلطة المنع" إلى "سلطة الإغراق". إن الفرد اليوم يمكنه الولوج إلى أفكار أفلاطون، وسبينوزا، ونيتشه، وفوكو، في أجزاء من الثانية، لكنه يقضي يومه كاملاً مستهلكاً لشائعة عابرة أو ومضة بصرية تافهة. وفرة المعرفة لا تصنع وعياً، كما أن تكديس البيانات لا يخلق عقلاً. وهنا تتدخل الخوارزمية ككائن خفي يتحكم في خيوط اللعبة؛ فهي لا تقدم لك الحقيقة، بل تعرض ما يضمن بقاءك مدة أطول في شباكها. تحولت المعرفة إلى عملة، والانتباه إلى سلعة تُبعد وتُشترى في بورصة البقاء الرقمي. الفلسفة تقول: توقف، تأمل، وتساءل: لماذا؟ أما اقتصاد المنصات يقول: اسحب للأفل.. استمر.. ماذا بعد؟! الفلسفة زمنها البطء والعمق؛ والخوارزمية زمنها السرعة والاستهلاك. ومن هنا فإن المعركة الكبرى للإنسان المعاصر لم تعد معركة على امتلاك المعلومة، بل معركة مصيرية على حراسة الانتباه. فمن يملك انتباهاً يملك القدرة على صياغة عوالمك الداخلية، بل وأبعد من ذلك: صناعة رغباتك. السوق لم يعد يبيعنا السلع الجافة فحسب، بل يبيعنا صوراً معلبة للنجاح، والجسد المثالي، والسعادة الواهمة، ليصير الإنسان ذاته مشروعاً أبدياً للعرض والمقارنة.
​فهل هذا الفضاء المفتوح هو الحرية حقاً؟ أم أنه الشكل الألطف والأشد فتكاً من العبودية الناعمة؟ التحرر الحقيقي لا يمكن أن يختزل في بُعده السياسي أو الاقتصادي البحت؛ إنه يقتضي ثورة معرفية ونفسية جذرية: أن يسأل الكائن بلا هوادة: من أين تسللت هذه الفكرة؟ من علمني أن هذا المعيار طبيعي؟ لماذا يرعبني السؤال؟ ولمَ أتوسل دائماً صك الغفران من الجماعة؟ هنا تتجسد الرسالة الجوهرية للفلسفة: ليست سرداً لتواريخ المذاهب أو تكديساً لأسماء المفكرين، بل هي القدرة الراديكالية على تحويل البديهي إلى لغز، وزعزعة اليقين لحظة تحوله إلى زنزانة. المجتمع الذي يرتجف من السؤال يصنع قطيعاً من الطائعين، بينما المجتمع الذي يربي أبناءه على قلق السؤال يصنع أفراداً قادرين على حمل أثقال الحرية وجحيمها. وعليه، فإن العقل الحر لا يقع في فخ "لعن التراث برمته" كعُقدة مهزومة، ولا يقدس "الحداثة كخلاص سحري ومطلق". فالمشكلة ليس في الماضي لأنه ماضٍ، ولا في الحاضر لأنه حاضر؛ بل في تحويل أي مرجعية كيفما كانت إلى صنم مغلق يحظر على العقل مساءلتها. التراث الذي لا يُقرأ بنقدٍ جذري يتحول إلى طاغوت، والحداثة التي لا تُفكك يتحول منبرها إلى صنم جديد. العقل الحر لا يعبد الأصنام، بل يحاور الأنقاض واللحظات. لذا، غايتنا ليست بتر الذاكرة، بل تطهيرها من أن تتحول إلى مقبرة؛ وليس رفض التكنولوجيا، بل استعادة الإنسان لسيادته المطلقة على انتباهه ووعيه. الثقافة الحقّة ليست رصيداً من الكتب المكدسة، ولا ألقاباً أكاديمية معلقة، بل هي القدرة الصلبة على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى نقد، والنقد إلى مسؤولية وجودية. أما تلك الثقافة التي تمنح الإنسان يقيناً أعمى، وتغذي فيه احتقار المختلف، وترعبه من النقد، وتذيبه في كتلة الجماعة، فهي ليست سوى آلية تقنية لإعادة إنتاج العبد الذي تطلبه السلطة والسوق.
​وبعد عقدين ونيف من ذاك البوح الأول، يتجدد السؤال ليطرح نفسه بلا رتوش: لم يعد السؤال هو: هل الثقافة ملعونة؟ بل أصبح: متى تتوقف الثقافة عن تحريرنا وتشرع في احتلالنا الكلي؟ إن أخطر السجون قاطبة هو ذلك الذي لا تتبين جدرانه، وأخبث الأفكار هي تلك التي تتوهم أنها أفكارك الخاصة، وأعنف السلطات هي التي تجعل الضحية يطالب بجلاده ويستجدي قيده بنفسه. الحرية الحقيقية تبدأ هنا.. في اللحظة التي يستطيع فيها الكائن أن يخترق الحجب ويرى الشروط الخفية التي نسجت اختياراته. هي تلك المسافة المجهرية بين ما ورثناه، وما فُرض علينا، وما لقنتنا إياه الجماعة، وما تبرمجه الخوارزميات.. وبين ما نختاره نحن بعد أن نفكر، ونشك، ونعرب عن قلقنا الوجودي. هناك، في قلب تلك المسافة الباغية، يولد العقل.. وتنبجس شعلة الحرية. وربما، تلك وحدها هي الثقافة التي تنجو من اللعنة: تلك التي تجعل الإنسان أقل عبودية لأفكاره، وأكثر جذرية في مواجهة ذاته والعالم.
أكادير
2026/8/15