عقد عمل مربيات التعليم الأولي، ... قراءة نقدية في الحقوق والالتزامات

آراء تربوية

بقلم عبد الرزاق بن شريج

تنبيه منهجي وقانوني


تنطلق هذه المقالة من نموذج عقد عمل منشور ومتداول على شبكة الإنترنت، يحمل عنوان «عقد عمل مربيات للموسم الدراسي 2026-2027»، وقد أدرج في النص المتداول اسم الفيدرالية المغربية للتربية والتعليم الأولي باعتبارها الطرف المشغل.
غير أن النسخة محل التحليل، كما هي منشورة ومتاحة للعموم، تتضمن خانات فارغة لبيانات الأجير(ة) والتوقيع، ولا تحمل توقيع الطرفين في الصورة المعروضة، ولذلك، فإن تناولها في هذه المقالة يتم باعتبارها وثيقة تعاقدية منشورة للتحليل والنقد القانوني، وليس باعتبارها عقدا ثابتا وموقعا نافذا في مواجهة أشخاص محددين.
وعليه، فإن الملاحظات الواردة أدناه تنصرف إلى مضمون البنود كما وردت في النموذج المنشور، ولا تتضمن حكماً قضائياً مسبقاً على مدى قانونية ممارسة فعلية أو مسؤولية شخص أو مؤسسة بعينها، إذ يبقى التكييف النهائي لأي نزاع من اختصاص الجهات القضائية المختصة، بعد التحقق من العقد الموقع والوقائع والظروف المحيطة بإبرامه وتنفيذه.

 

المقدمة والإطار المؤسساتي للتعاقد
يشكل التعليم الأولي أحد المكونات الأساسية للمنظومة التربوية، ويضطلع العاملون فيه بمهام تربوية تتصل مباشرة بالطفولة المبكرة والتنشئة والتعلم الأولي. وفي إطار تدبير عدد من أقسام التعليم الأولي بواسطة هيئات من المجتمع المدني، تبرز عقود الشغل المبرمة مع المربيات باعتبارها إحدى الآليات القانونية المنظمة للعلاقة بين الجهة المشغلة والعنصر البشري.
وفي هذا السياق، يثير النموذج المنشور لعقد عمل مربيات الموسم الدراسي 2026-2027 مجموعة من الأسئلة القانونية والاجتماعية المهمة، لا يتعلق بعضها بمبدأ التعاقد في حد ذاته، وإنما بالكيفية التي صيغت بها بعض الالتزامات والحقوق وشروط إنهاء العلاقة الشغلية.
واللافت في النموذج محل الدراسة أن ديباجته تربط العقد بعقد شراكة سنوي لتسيير الأقسام المبرم بين الفيدرالية والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، وتنص صراحة على أن مدة عقد الشغل مرتبطة بمدة تلك الشراكة.
ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية: إلى أي حد يمكن للرابطة التعاقدية بين الجهة المدبرة للمرفق والجهة العمومية المانحة أن تنعكس على الحقوق التي يقررها قانون الشغل لفائدة الأجير؟

 

أولاً: تحديد مدة العقد وربطها بعقد الشراكة
البند الأول: مدة العقد والصفة
ينص النموذج على أن الأجير(ة) يشتغل بصفة مربي(ة) «في إطار عقد عمل محدد المدة» يمتد من 1 شتنبر 2026 إلى 31 غشت 2027، ثم يضيف أن هذا العقد أبرم بناء على عقد الشراكة السنوية، وأن مدته «ترتبط بمدة هذه الشراكة وتنتهي بانتهائها»، وهنا يبرز أول إشكال قانوني.
فالمادة 16 من مدونة الشغل لا تجعل عقد الشغل محدد المدة مجرد خيار تعاقدي مفتوح، وإنما تقرر أن اللجوء إليه يكون في الحالات التي لا يمكن فيها أن تكون علاقة الشغل غير محددة المدة، وتذكر، على سبيل الأصل، حالات محددة، من بينها إحلال أجير محل أجير آخر، أو الزيادة المؤقتة في نشاط المقاولة، أو الطبيعة الموسمية للشغل.
وبالتالي، فإن مجرد وجود عقد شراكة مدته سنة لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات أن عقد الشغل يجب أن يكون محدد المدة. فالعبرة تظل بمدى انطباق إحدى الحالات القانونية التي تجيز اللجوء إلى هذا النوع من العقود.
وتزداد المسألة أهمية عندما يتعلق الأمر بعمل المربي(ة) داخل حجرات أقسام التعليم الأولي، إذ لا يكفي وصف العلاقة بأنها مرتبطة بموسم دراسي أو بشراكة سنوية لإثبات أن العمل نفسه ذو طبيعة موسمية بالمعنى المقصود في المادة 16.
ومن ثم، فإن السؤال القانوني الأدق ليس: «هل مدة الشراكة سنة؟»، وإنما: هل طبيعة العمل الذي يؤديه المربي(ة) تبرر قانوناً إبرام عقد محدد المدة؟
كما أن المادة 17 تقرر، في الحالات التي تتوفر فيها شروطها، تحول العقد المحدد المدة إلى عقد غير محدد المدة في حالات معينة، ومن بينها استمرار العمل بالعقد بعد انتهاء أجله.
لذلك، فإن الربط التعاقدي بين عقد الشراكة وعقد العمل لا ينبغي أن يفهم على أنه يمنح المشغلة، تلقائياً، سلطة إنهاء الحقوق الشغلية بمجرد انتهاء الشراكة، ما لم يكن الأساس القانوني للعقد المحدد المدة مستوفياً لشروطه.

 

ثانيا: الأجر وربطه بالتوصل بالدعم
البند الثاني: "تدفعه الفدرالية فور التوصل بالدعم"
يحدد العقد الأجر في الحد الأدنى للأجر كما تحدده التشريعات، لكنه يربط أداءه بشرط يتمثل في "التوصل بالدعم من قبل الجهة المانحة"، وهذه من أكثر العبارات إثارة للتساؤل في النموذج محل الدراسة.
ذلك أن العلاقة بين المشغلة والأجير تختلف قانونا عن العلاقة بين المشغلة والجهة التي تمول أو تدعم نشاطه، فمصدر تمويل المشغلة لا يغير، من حيث الأصل، طبيعة الأجر باعتباره مقابلا للعمل الذي يؤديه الأجير.
وتنظم مدونة الشغل أداء الأجر ودوريته، إذ تقرر بالنسبة للمستخدمين أداء الأجر مرة واحدة على الأقل في الشهر، ومن ثم، فإن إدراج عبارة تربط استحقاق الأجر أو أدائه الفعلي بوصول الدعم يطرح سؤالا جوهريا حول نقل مخاطر التمويل والتدبير من المشغلة إلى الأجير.
فإذا كانت الفدرالية هي المشغلة في العقد، فإن العلاقة الشغلية تنشأ بينها وبين الأجير، ولا يفترض أن يتحول التأخر في تدفق التمويل من جهة ثالثة إلى سبب تلقائي لتعليق أداء الأجر المستحق عن العمل المنجز.
ولهذا فإن الصياغة محل الملاحظة تبدو، على الأقل من الناحية القانونية، بحاجة إلى توضيح جوهري يميز بين مصدر تمويل نشاط المشغلة وبين تاريخ استحقاق الأجر للأجير.

 

ثالثا: عبارة الحرمان من أي تعويض بعد انتهاء العقد
البند الثالث: "لا يمكن للأجير(ة) أن يطالب بأي تعويض"
يتضمن النموذج مقتضى عاما يفيد بأنه لا يمكن للأجير(ة) المطالبة بأي تعويض بعد انتهاء تشغيله تبعاً للعقد، وهذه الصياغة، بسبب عموميتها، تثير إشكالا أكبر من مجرد تحديد حق معين؛ لأنها يمكن أن تفهم على أنها تشمل مختلف الحقوق والتعويضات التي قد تستحق للأجير بموجب القانون بحسب ظروف انتهاء العلاقة الشغلية، ومن ذلك، على سبيل المثال، التعويض عن عدم التمتع بالعطلة السنوية المؤدى عنها، الذي نظمته المواد 251 وما يليها من مدونة الشغل، فالمادة 251 تقرر استحقاق هذا التعويض عند انتهاء عقد الشغل في الحالات التي تتوفر فيها شروطها، بينما تؤكد المادة 254 أن التعويض عن عدم التمتع بالعطلة السنوية المؤدى عنها يستحق أيا كانت الأسباب التي أدت إلى إنهاء عقد الشغل، لذلك، لا تبدو العبارة العامة الواردة في البند الثالث كافية قانونا لمحو الحقوق التي تنشأ بقوة النصوص الآمرة.
كما أن القول بحرمان الأجير مسبقا من «أي تعويض» يحتاج إلى تمييز دقيق بين الحقوق التي تستحق عند انتهاء العقد وبين التعويضات التي قد تترتب عن طريقة إنهائه أو ظروفه.

 

رابعا: إنهاء العقد بسبب الخطأ الجسيم وضمانات المسطرة
البندان الخامس والسادس
من أخطر المقتضيات الواردة في النموذج تلك التي تجعل الالتزامات الواردة في العقد «التزامات جوهرية»، وتنص على أنه إذا أخل الأجير بها يكون للطرف الأول الحق في "إنهاء خدمته فوراً وبدون تعويض".
ويضاف إلى ذلك البند السادس الذي ينص على حق الطرف الأول في فسخ العقد في أي وقت في الحالات التي تعتبر أخطاء جسيمة طبقا لأحكام مدونة الشغل.
والواقع أن مدونة الشغل لا تمنح المشغلة سلطة مطلقة في وصف أي إخلال تعاقدي بأنه خطأ جسيم، فالمادة 39 تحدد الأفعال التي يمكن أن تعتبر أخطاء جسيمة، كما أن المادة 61 ترتب آثارا خاصة على الفصل بسبب الخطأ الجسيم.
والأهم من ذلك أن المادة 62 تفرض، قبل فصل الأجير، إتاحة فرصة الدفاع عن نفسه والاستماع إليه من طرف المشغلة أو من ينوب عنه، بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره الأجير، وفق الشروط التي حددتها المادة نفسها، وإذا رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة، يتم اللجوء إلى مفتش الشغل.
وعليه، فإن عبارة «فوراً وبدون تعويض» لا يمكن أن تفهم باعتبارها ترخيصا للمشغل بتجاوز الضمانات الإجرائية التي أقرها القانون.
والسؤال القانوني هنا هو: هل كل إخلال بالتزام من الالتزامات الأربعة عشر الواردة في العقد يشكل تلقائيا خطأ جسيماً؟
الجواب لا يمكن استخلاصه من مجرد وصف العقد لهذه الالتزامات بأنها «جوهرية»، لأن تكييف الفعل باعتباره خطأ جسيما يظل خاضعاً للضوابط القانونية ولظروف الواقعة وطبيعتها.

 

خامسا: الاستقالة وأجل الإخطار
البند الخامس – الفقرة 12
يلزم النموذج الأجير(ة)، في حالة الاستقالة أو الإعفاء أو التوقف عن العمل خلال مدة العقد، بإخبار الفدرالية برسالة مضمونة، مع احترام أجل إخطار "لا يقل عن شهر"، وهنا تظهر مفارقة في بنية العقد.
فالمادة 43 من مدونة الشغل تتعلق بإنهاء عقد الشغل غير محدد المدة بإرادة منفردة، وتنظم أجل الإخطار في هذا الإطار.
أما العقد المحدد المدة، فقد نظم المشرع إنهاءه قبل حلول أجله في المادة 33، التي تقرر، في الأصل، استحقاق التعويض عن الفترة المتبقية من العقد إذا أنهى أحد الطرفين العقد قبل أجله، ما لم يكن الإنهاء مبرراً بخطإ جسيم من الطرف الآخر أو ناشئا عن قوة قاهرة، وبالتالي، فإن الجمع داخل العقد نفسه بين عقد محدد المدة وبين إحالة عامة على أجل الإخطار المنصوص عليه في مدونة الشغل، دون تحديد دقيق للأساس القانوني، يثير إشكالاً في التكييف.
كما أن العبارة التي تلزم الأجير بالاستمرار في أداء المهمة «إلى حين اتخاذ إجراءات نقل المهام إلى أجير(ة) آخر» تطرح بدورها سؤالا حول مصدر هذا الالتزام وحدوده، ومدى إمكانية إبقاء الأجير مرتبطا عمليا بالعلاقة الشغلية إلى أجل غير محدد بذريعة استكمال عملية التسليم.

 

سادسا: تحويل المربي(ة) من فاعل تربوي إلى طرف مسؤول عن استقطاب الأطفال
البند الخامس – الفقرتان الأولى والثانية
يُلزم العقد المربي(ة) بـ«القيام بالحملات التحسيسية لاستقطاب الأطفال المستهدفين»، كما يلزمه بالحرص على ألا يقل القسم عن 15 طفلا وألا يتجاوز 30 طفلا، وهذا المقتضى يستحق قراءة خاصة لأنه يكشف عن انتقال بعض الالتزامات من المجال التربوي إلى المجال التدبيري والاستقطابي، فالحرص على جودة العملية التعليمية والتربوية يختلف من حيث طبيعته عن تحميل المربي(ة) مسؤولية تحقيق عدد معين من المستفيدين.
والصياغة الحالية لا توضح هل المطلوب من المربي(ة) بذل عناية معقولة للمساهمة في التعريف بالتعليم الأولي، أم تحقيق نتيجة كمية محددة تتمثل في ضمان حد أدنى من الأطفال داخل حجرة الدرس.
وهذا التمييز مهم قانونيا ومهنيا؛ لأن تحميل الأجير نتيجة تعتمد على عوامل خارجة عن إرادته يختلف عن تكليفه ببذل جهد مهني في حدود اختصاصه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هذا النوع من الالتزامات، خصوصا إذا كان عدم بلوغ العدد المحدد يمكن أن يستخدم لاحقا أساسا لمساءلة المربي(ة) أو إنهاء عقده.

 

سابعا: القيود على العمل لدى الغير وتعارض المصالح
البند الرابع
يحظر العقد على الأجير أداء أعمال للغير بأجر أو بدون أجر «ولو أثناء الإجازات المستحقة له»، كما يمنعه من الاشتراك في أي عمل مع جهة تتعارض مصالحها مع مصالح الفدرالية، ومن الناحية التحليلية، ينبغي التمييز هنا بين منع تعارض المصالح، وهو مفهوم يمكن أن تكون له مبررات مهنية، وبين منع الأجير بصورة مطلقة من أي نشاط مهني أو غير مهني خارج أوقات العمل، فكلما اتسعت صياغة المنع لتشمل جميع الأعمال، حتى تلك التي تتم أثناء الإجازات ولا تتعارض فعليا مع مصالح المشغلة، وجب التساؤل عن مدى تناسب القيد مع الغاية التي يراد تحقيقها منه.
كما أن الإحالة العامة إلى المادتين 39 و42 من مدونة الشغل لا تكفي وحدها لإضفاء المشروعية على كل صورة من صور المنع؛ إذ ينبغي تحديد الفعل المحظور وأساس المنع وآثاره بصورة دقيقة.

 

ثامنا: سرية المعلومات واحترام التسلسل الإداري
الفقرتان 9 و13
يتضمن العقد التزاماً بالحفاظ على أسرار العمل وعدم تقاسم معطيات الفدرالية في المواقع، كما يفرض احترام «السلم الإداري» وعدم التواصل المباشر مع المصالح الإدارية بالمديرية الإقليمية أو الأكاديمية الجهوية أو غيرها، وهذان المقتضيان يثيران مسألتين مختلفتين:
فحماية المعطيات المهنية والوثائق الداخلية يمكن أن تكون لها مشروعية واضحة، لكن صياغة الالتزام بالسرية ينبغي أن تكون محددة من حيث طبيعة المعلومات المعنية، حتى لا تتحول إلى صياغة عامة يمكن أن تمتد إلى وقائع أو معطيات لا تكتسي طابع السرية.
أما منع المربية من التواصل المباشر مع المصالح الإدارية العمومية، فيحتاج إلى توضيح مصدره وحدوده، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمرفق تربوي يتم تدبيره في إطار شراكة مع مؤسسة عمومية.
فلا ينبغي أن يؤدي التنظيم الداخلي للعلاقة المهنية إلى طمس الحدود بين التسلسل الإداري داخل الجهة المشغلة وبين العلاقات المؤسسية التي تحكم تدبير مرفق التعليم الأولي.

 

تاسعا: اختلال التوازن التعاقدي وأحادية بعض الشروط
تكشف القراءة المتأنية لمختلف بنود العقد عن تفاوت واضح في توزيع الالتزامات بين طرفيه؛ إذ يتضمن النص مجموعة واسعة من الالتزامات المفروضة على الأجير(ة)، مقابل مقتضيات محدودة ومقتضبة تحدد التزامات المشغلة، وتظهر هذه المفارقة بصورة خاصة في البنود التي تمنح المشغلة صلاحيات واسعة في تنظيم العمل وتوجيه الأجير(ة) ومراقبة أدائه، فضلا عن بعض المقتضيات المتعلقة بإنهاء العلاقة الشغلية، في حين لا تحظى حقوق الأجير(ة) بالتفصيل نفسه داخل الوثيقة، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في علاقة الشغل، حيث لا تكون الإرادة التعاقدية للطرفين متساوية بالضرورة من الناحية العملية، وهو ما يفسر تدخل المشرع بمجموعة من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها أو الانتقاص من الحقوق التي تقررها للأجير، فكون النص نموذجا موحدا يتضمن شروطا معدة سلفا ولا يخصص الحيز نفسه لحقوق الطرفين، يبرر طرح مسألة التوازن التعاقدي ومدى اتساق بعض شروطه مع القواعد الآمرة في قانون الشغل.
وعليه، فإن الإشكال الذي يطرحه النموذج محل التحليل لا يكمن في مجرد كونه عقدا نموذجيا، وإنما في مدى توازن الحقوق والالتزامات التي تضمنها، ومدى انسجام الشروط التي يفرضها على الأجير(ة) مع الحدود التي رسمها القانون لسلطة المشغلة.

 

عاشرا: مفارقة جوهرية في بنية العقد
تكشف قراءة البنود مجتمعة عن مفارقة تستحق التوقف عندها، فالعقد يمنح المشغلة مساحة واسعة في تحديد مواعيد العمل، وإصدار التعليمات، ومراقبة الأداء، وتحديد القسم، وتنظيم التكوين، ومنع بعض الأنشطة، وإنهاء العقد في حالات الخطأ الجسيم؛ وفي المقابل تأتي بعض التزامات المشغلة في صياغة مقتضبة جداً، إذ يكتفي البند السابع بالإشارة إلى التغطية الاجتماعية والصحية والتأمين ضد حوادث الشغل.
ولا تكمن المشكلة بالضرورة في وجود هذه السلطة التنظيمية للمشغلة، إذ إن علاقة الشغل تقوم أصلاً على تبعية قانونية وتنظيمية في حدود القانون، وإنما في مدى التوازن بين السلطة المهنية وبين الضمانات المقابلة للأجير(ة).
ومن هنا فإن السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا النموذج ليس فقط: «هل هذا البند قانوني أم غير قانوني؟»، وإنما:
هل تعكس صياغة العقد توازنا حقيقيا بين حقوق المشغلة والتزاماتها من جهة، وحقوق الأجير(ة) والتزاماته من جهة أخرى؟

 

خاتمة: من هشاشة العقد إلى ضرورة التوازن التعاقدي
يكشف النموذج المنشور لعقد عمل مربي ومربيات التعليم الأولي للموسم الدراسي 2026-2027 عن مجموعة من المقتضيات التي تستحق مراجعة قانونية ومهنية دقيقة، خصوصا ما يتعلق بتحديد مدة العقد وربطها بالشراكة، وربط أداء الأجر بالتوصل بالدعم، والحرمان العام من التعويضات، وسلطة إنهاء العقد، وأجل الإخطار، والالتزامات المرتبطة بعدد الأطفال والاستقطاب، لكن النقد القانوني الرصين يقتضي، في المقابل، عدم إصدار أحكام قطعية بشأن بطلان العقد أو تعسفه أو مسؤولية الجهة المشغلة استناداً إلى نموذج منشور غير موقع، لأن العقد النهائي الموقع، وعقد الشراكة الذي يستند إليه، والنظام الداخلي، وطبيعة المهام الفعلية، والوقائع التي قد تحيط بتنفيذ العلاقة الشغلية، كلها عناصر يمكن أن تغير التكييف القانوني للنزاع، ومع ذلك، فإن مجرد صياغة هذه البنود في نموذج تعاقدي يفتح نقاشا مشروعا حول موقع المربي(ة) داخل منظومة التعليم الأولي: هل ينظر إليه باعتباره فاعلا تربويا له حقوق شغلية كاملة، أم باعتباره طرفا يتحمل أيضا مخاطر التمويل والتدبير والاستقطاب؟
إن حماية مربي ومربيات التعليم الأولي لا تعني إعفاءهن من الالتزامات المهنية، وإنما تعني أن تكون هذه الالتزامات محددة ومتناسبة ومتصلة بطبيعة العمل، وأن تقابلها حقوق وضمانات واضحة، وأن تظل سلطة المشغلة محكومة بالقانون لا بمجرد الصياغة الأحادية للعقد.
وفي نهاية المطاف، فإن جودة التعليم الأولي لا تقاس فقط بما يقدم داخل حجرة الدرس للطفل، وإنما أيضا بما توفره المنظومة للعاملين فيه من استقرار مهني، ووضوح تعاقدي، وحماية قانونية، وتوازن في الحقوق والواجبات.