مهزلة الحركة الانتقالية والنتائج المتحركة

آراء تربوية

عبد الرزاق بن شريج
شهد قطاع التربية الوطنية بالمغرب انتكاسة تدبيرية وأخلاقية عميقة في التعاطي مع واحد من أهم الملفات الاجتماعية والإدارية الحساسة بالنسبة للأطر التربوية، والمتمثل في نتائج الحركة الانتقالية الوطنية لهيئة التفتيش، ففي مشهد يكرس العبث الإداري ويضرب قيم الاستقرار والشفافية في المرفق العمومي،

أقدمت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على سابقة خطيرة أربكت الأطر التعليمية وخاصة هيئة التفتيش والتأطير والمراقبة والتقييم لسنة 2026.
تعود تفاصيل هذه المهزلة الإدارية إلى الإعلان الأول عن نتائج الحركة الانتقالية عبر البوابة الإلكترونية للوزارة. حيث تعامل أطر التفتيش مع النتائج الصادرة بوصفها قرارا إداريا نهائيا ومكتمل الأركان، تعزز بفرحة مئات الموظفين وعائلاتهم والبدء الفعلي في الترتيب لالتحاقاتهم الاجتماعية والأسرية بمديرياتهم الجديدة، إلا أنه، وفي خطوة غير محسوبة العواقب، أصدرت الوزارة عبر بلاغ صحفي بتاريخ الجمعة 07 غشت 2026 ما أسمته بـ "النتيجة المعدلة للحركة الانتقالية"؛ بداعي تفاعلها مع الشكايات وتصحيح "الأخطاء المادية" لتداركها، هذا التعديل الفجائي أعاد رسم خريطة الانتقالات بالكامل، وأدخل القطاع في حالة من الذهول والإرباك واللااستقرار.

بالأرقام والإحصائيات: حجم التخبط بين النتيجة الأولى والمعدلة
إن القراءة الرقمية المقارنة بين اللائحة الأولى واللائحة "المعدلة" تكشف عن حجم الزلزال التنظيمي الذي أحدثه هذا القرار الانفرادي؛ حيث أظهرت المقارنة المعمقة المعطيات التالية:
• إجمالي الوضعيات: تضمنت النتيجة الأولى 162 وضعية، بينما تضمنت النتيجة المعدلة 161 وضعية.
• الإقصاء والتغيير المفاجئ: تسجيل 57 وضعية كانت مدرجة في النتيجة الأولى اختفت تماماً من النتيجة المعدلة، وفي المقابل ظهرت 56 وضعية جديدة في النتيجة المعدلة لم تكن موجودة مطلقاً في اللائحة الأولى.
• تعديل الوجهات: تم تغيير وجهة التعيين لـ 31 وضعية مشتركة بين النتيجتين، حيث جرى نقل المفتشات والمفتشين إلى مديريات أخرى غير التي أُعلن عنها في المرة الأولى.
• الاستقرار الصوري: لم تسلم من التغيير سوى 105 وضعيات فقط بقيت متماثلة من حيث وجهة التعيين بين اللائحتين.
تؤكد هذه الأرقام الصارخة أن الأمر لا يتعلق بـ "ترميم أخطاء مادية محدودة"، بل بإعادة هيكلة شاملة للنتائج عكست ارتجالية تسقط أي ادعاء بالدقة أو الحكامة الإدارية.

خرق المساطر: مصادرة حق الطعن والغموض المريب
إن القراءة الفاحصة للمذكرة الوزارية المنظمة لهذه الحركة الانتقالية (المذكرة رقم 060x26/الصادرة بتاريخ 15 يونيو 2026) تكشف تجاهلا صريحاً للضوابط والمساطر القانونية المؤطرة:

1. مصادرة أجل الـ 10 أيام للطعن المشروع: نصت المقتضيات العامة للمذكرة (الصفحة 6) بوضوح على منح المعنيين بالأمر أجلاً أقصاه عشرة (10) أيام لتقديم طعونهم الرسمية عبر السلم الإداري، إلا أن إقدام الوزارة على تعديل النتائج بشكل خاطف ومباغت بناء على ملاحظات أو تدخلات وردت إليها من "جهات ما"، دون فتح باب الطعون بشكل متساو ومكفول للجميع ودون استيفاء الآجال القانونية الرسمية، يطرح علامات استفهام كبرى، كيف تُعدل نتائج وتقبل ملاحظات أطراف بعينها بينما يحرم باقي الموظفين من حقهم الدستوري والإداري في الطعن والتكافؤ؟
وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام التأويلات والشكوك حول وجود نيات غير معلنة ومفاضلات خارج إطار الضوابط المكتوبة.

2. ضرب آليات التدقيق متعددة المستويات: أكدت المذكرة الوزارية أن المعطيات تخضع لمراقبة ودراسة دقيقة وتدقيق محين بمرجع الموارد البشرية (Référentiel RH)، عبر لجان إقليمية، وجهوية، ومصالح مركزية مختصة للبت في صحة الوثائق والاستحقاق، فكيف لعملية مرت عبر كل هذه المصفاة المؤسساتية الشديدة أن تسفر عن هفوات بهذا الحجم؟
إن القول بوجود أخطاء تستدعي إعادة تعديل اللوائح وإسقاط اسم 57 موظفاً وتعيين غيرهم هو إدانة صريحة لمنظومة المراقبة والشفافية بالوزارة.

معايير الاستحقاق: النقط مقابل الأسبقية والغموض في المذكرة
تطرح النتائج المعدلة إشكالية قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بخرق سلم النقط والتراتبية:

• تجاوز ذوي النقط والأقدمية العالية: أظهرت اللائحة المعدلة إدراج أسماء بمجموع نقط وأقدمية أقل بكثير من موظفين آخرين تم الاستغناء عنهم أو حرموا من خياراتهم الأولى، رغم امتلاكهم سنوات عمل طويلة ورصيداً مرتفعاً من النقط.

• الاستناد إلى الأولوية وحالة الإلتحاق بالزوج(ة): بالرجوع إلى المذكرة المنظمة وبيانات النتائج، نجد أن المذكرة تخصص خانة الأولوية (1) لحالات محددة تتضمن الالتحاق بالزوج أو الزوجة، أو من بلغت أقدميتهم 12 سنة فما فوق في المنصب، غير أن تطبيق هذا المعيار شابه غموض كبير في النتائج المعدلة؛ فإذا كان القانون والضوابط المنظمة تمنح أسبقية لحالات الالتحاق بالزوج(ة)، فإن غياب الشفافية في عرض الشروط والوثائق المعتمدة لكل حالة جعل هذا الحق المفترض مطية لتجاوز القدماء والأعلى نقطاً بدون إيضاحات علنية تحمي مبدأ تكافؤ الفرص، وتمنع المحسوبية والزبونية.

التبعات القانونية والاجتماعية للتعديل الانفرادي

1. الأضرار بالمشروعية والمراكز القانونية: يمثل التراجع عن النتائج المعلنة مساساً بحق مكتسب واستقرار المراكز القانونية للموظفين؛ إذ لا يمكن سحب قرار إداري أُعلن للملأ وإبداله بقرارات جديدة ببيان صحفي افتراضي لا يملك أي سند تنظيمي صريح.

2. الانهيار النفسي والاجتماعي للأسر: عاشت العشرات من أطر التفتيش المنتقلة وضعاً درامياً بعد نشر "النتائج المعدلة، فمنهم من شرع في إبرام عقود الكراء، ومنهم من رتب نقل أبنائه وإعادة هيكلة حياته الأسرية، ومنهم من اتخذ قرارات عائلية وأسرية واجتماعية وحتى اقتصاديةن بناءً على قرار النتائج الأولى، إن سحب الانتقال أو تغيير التعيين فجأة شكل صدمة هدمت الاستقرار النفسي والأسري لهيئة من رجال ونساء التعليم.


على سبيل الختم
إن ما وقع في حركة هيئة التفتيش لسنة 2026 يتجاوز حدود "خطأ مادي" بسيط ليلامس أزمة حكامة حقيقية واستهتاراً بحقوق أطر مسؤولة عن التأطير والتقييم بالمنظومة التربوية، إن المنظومة لا يمكن أن تستقيم إلا باحترام دولة الحق والقانون داخل الإدارة، ولإعادة القطار إلى سكته الصحيحة، يغدو واجباً على الوزارة إلغاء هذه التعديلات الفوقية غير المعللة، وإعادة إعلان النتائج وفق مسطرة طعون علنية ومكفولة للجميع داخل الآجال القانونية (10 أيام)، مع إعمال مبدأ الشفافية المطلقة في معايير الأولوية والنقط، صوناً لكرامة أطر التفتيش وحماية لمصداقية الإدارة العمومية.