عندما نشرت الجزء الأول من هذه السلسلة "تطور التفتيش التربوي بالمغرب"، كنت أعتقد أن الطريق إلى الجزء الثاني سيكون أقصر مما يبدو، لكن ما إن ولجت مرحلة 1956-1984 حتى وجدت نفسي أمام أرشيف يشبه مدينة قديمة؛ أبوابها كثيرة، وبعض مفاتيحها ضاعت مع الزمن، فيما بقيت أخرى تحتاج إلى صبر طويل حتى تفتح.
منذ نحو خمسة أسابيع وأنا أتنقل بين الجرائد الرسمية، والظهائر، والمراسيم الملكية، والقرارات الوزارية، محاولا إعادة تركيب صورة هذه المرحلة كما كانت، لا كما روتها بعض الكتابات المتداولة، فقد اكتشفت أن عددا من المقالات والكتب يورد معلومات متباينة، بل أحيانا متناقضة، دون الاستناد إلى مراجع رسمية، فهناك من يجعل سنة 1969 تاريخا لتأسيس مركز تكوين مفتشي التعليم، بينما يعتمد آخرون سنة 1975، وغيرها من الاختلافات التي لا يمكن الحسم فيها إلا بالرجوع إلى الوثيقة الأصلية.
ولهذا اخترت أن يكون مرجعي الأول هو النصوص القانونية المنشورة في الجريدة الرسمية، لأنها الشاهد الأكثر مصداقية على تلك المرحلة، غير أن هذا الخيار لم يكن سهلا، إذ اصطدمت بعدة صعوبات، منها أن سنوات الاستقلال الأولى كانت تعرف تعددا في تسميات الوزارة، بين وزارة التعليم الابتدائي، ووزارة التهذيب الوطني، ووزارة التعليم الابتدائي والثانوي، ووزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة والشبيبة والرياضة، ووزارة التعليم الثانوي والتقني، ثم وزارة التعليم الثانوي والتقني والعالي... كما أن كثيراً من الإصلاحات الجوهرية كانت تتم بمجرد قرار وزاري أو مرسوم ملكي، في حين كانت بعض الإجراءات الإدارية البسيطة تنظم هي الأخرى بمراسيم أو قرارات ملكية.
وزاد من تعقيد البحث أن النصوص الأصلية كانت تحرر بالفرنسية قبل ترجمتها إلى العربية، وهو ما أفرز أحيانا أخطاء في الصياغة أو استعمال ألفاظ دارجة، بل وحتى أخطاء في أرقام القرارات أو تواريخها، ومن الأمثلة التي استوقفتني قرار وزير التربية الوطنية والفنون الجميلة رقم 90.68 المؤرخ في 9 ماي 1967، وهو مثال يثير إشكالا زمنيا واضحا، لأن ترقيم القرار يشير إلى سنة 1968 بينما تاريخ صدوره يعود إلى 1967، مما يفرض العودة إلى الوثائق الأصلية ومقارنتها قبل اعتماد أي معلومة.
ورغم كل هذه الصعوبات، فإن معالم الصورة بدأت تتضح شيئا فشيئا، وأصبح الجزء الثاني يقترب من الاكتمال، وإن كان لا يزال يحتاج إلى مزيد من التحقق والتدقيق، لأن هدفي ليس نشر معلومة سريعة، وإنما بناء مرجع يعتمد على الوثيقة الرسمية قبل أي شيء آخر.
وفي هذه الرحلة لم أكن أسير وحدي. فكل كلمة تشجيع، وكل توجيه، وكل وثيقة وصلتني، كانت بمثابة مصباح أضاء زاوية معتمة من هذا الأرشيف.
ومن باب الوفاء، أتقدم بخالص الشكر إلى الإخوة والزملاء الذين ساهموا، كل بما استطاع، في دعم هذا العمل:
• المفتش عبد الإله مصدق
• المفتش هشام أجانا
• المفتش خالد شكر
• المفتش إبراهيم الخرمودي
• المفتش عبد النبي بدري
كما أشكر كل من وعد بالمساهمة والتعاون، فالأعمال العلمية الرصينة لا تبنى بجهد فرد واحد، وإنما تتكامل بخبرة الجميع.
وأغتنم هذه المناسبة لأوجه دعوة مفتوحة إلى كل من يتوفر على وثيقة، أو عدد من الجريدة الرسمية، أو قرار وزاري، أو مرسوم، أو شهادة موثقة، أو أي مرجع يمكن أن يساعد في توثيق تاريخ التفتيش التربوي بالمغرب، ألا يبخل به، فربما تكون ورقة محفوظة في رف قديم هي القطعة الأخيرة التي تكمل صورة تاريخية ظلت ناقصة لعقود.
إن كتابة التاريخ ليست جمعاً للأوراق فحسب، بل هي إعادة إنصاف للذاكرة. وكل مساهمة، مهما بدت صغيرة، قد تكون مفتاحاً يفتح باباً ظل موصداً لسنوات.
عبد الرزاق بن شريج