بقلم: عبد الرزاق بن شريج
من حضور أطر التفتيش القائمة إلى إعادة تنظيم بعض فئاتها (1955–1958)
تقديم
يمتد هذا الجزء من سنة 1955 إلى سنة 1958، وهي فترة تميزت، في حدود النصوص المدروسة، بتدخلات تنظيمية انصبت أساسا على بعض أطر التفتيش ووضعياتها المهنية، دون أن تصل بعد إلى إرساء تنظيم موحد وشامل لمختلف أسلاكه،
فقد تناولت النصوص الصادرة خلالها مسائل متعددة، من بينها الوضعية الإدارية والمالية لبعض المفتشين، وشروط الولوج إلى بعض أطر التفتيش، وتنظيم المباراة، وتوحيد الوضعية النظامية لفئات محددة، فضلا عن تنظيم بعض جوانب الترقية والمسار المهني.
وتبرز خصوصية هذه الفترة في طبيعة النصوص المنظمة لها؛ إذ لم تتجه إلى إعادة بناء جهاز التفتيش في إطار نظام عام يشمل مختلف فئاته، وإنما تدخلت في أوضاع أطر معينة، بعضها كان قائما قبل الاستقلال واستمر وجوده خلال السنوات الأولى منه. ولذلك، فإن دراسة هذه المرحلة تكشف عن مسار انتقالي اتسم بإعادة ترتيب بعض الفئات وتعديل مقتضيات تنظيمها، في سياق الانتقال من التنظيمات السابقة إلى بناء الإدارة التعليمية الوطنية.
وقد اعتمد هذا القسم التسلسل الزمني للنصوص، مع الاستعانة، عند الاقتضاء، ببعض النصوص السابقة مباشرة على الفترة المدروسة لتحديد الإطار التنظيمي الذي وجدت فيه أطر التفتيش عند بداية هذه المرحلة، ومن هذا المنطلق، يبدأ القسم بإبراز حضور مفتش التعليم الابتدائي داخل التنظيم المحلي للتعليم، قبل الانتقال إلى النصوص التي صدرت خلال سنتي 1956 و1958، وما حملته من تعديلات همت بعض أطر التفتيش من حيث التسمية، والوضعية المهنية والمالية، وشروط الولوج، وتنظيم المسار المهني.
حضور مفتش التعليم الابتدائي في التنظيم المحلي للتعليم
ومن النصوص السابقة مباشرة على الفترة المدروسة القرار الوزيري الصادر في 29 دجنبر 1954 بشأن إحداث وظائف المندوبين المدرسيين، ورغم أن هذا القرار يسبق زمنيا بداية الفترة المحددة لهذا الجزء، فإن الإحالة إليه تساعد على إبراز الموقع الذي كان يحتله مفتش التعليم الابتدائي داخل التنظيم المحلي للتعليم قبيل مرحلة الاستقلال.
فقد نص الفصل الثالث من القرار على أن المندوبين المدرسيين:
"يعلمون السلطات المحلية ومفتش التعليم الابتدائي بالمدارس الابتدائية بالحاجيات المدرسية بالمراكز ومجموعة المراكز التي هي تحت نظرهم معربين عن آرائهم في شأنها...".
ولا يتعلق هذا المقتضى بتنظيم سلك التفتيش أو بتحديد شروط الولوج إليه، غير أنه يكشف عن حضور مفتش التعليم الابتدائي ضمن شبكة التنظيم الإداري والتربوي، بوصفه جهة تتلقى المعطيات المتعلقة بالحاجيات المدرسية للمراكز الواقعة في نطاق اختصاص المندوبين المدرسيين.
ومن ثم، يوفر هذا النص صورة عن أحد أوجه حضور وظيفة التفتيش في التنظيم التعليمي القائم قبيل الاستقلال، وهو السياق الذي ستصدر داخله، خلال السنوات اللاحقة، نصوص جديدة تتناول بعض فئات المفتشين ووضعياتهم المهنية.
إعادة ترتيب الوضعية المالية لمفتشي تعليم اللغة العربية
صدر المرسوم رقم 2.56.1172 بتاريخ 19 دجنبر 1956، القاضي بتغيير القرار الوزيري الصادر في 20 يوليوز 1949 بشأن تحديد الشروط التي يعين بموجبها المفتشون المغاربة في تعليم اللغة العربية بالمدارس الابتدائية الإسلامية.
وتكشف ديباجة هذا المرسوم عن وجود فئة مهنية متخصصة في التفتيش البيداغوجي لتعليم اللغة العربية، إذ أحال النص على القرار المؤرخ في 20 يوليوز 1949، المتعلق بـ:
"تحديد الشروط التي يعين بموجبها مفتشون مغاربة يكلفون بالتفتيش البيداغوجي لتعليم اللغة العربية في الأقسام الابتدائية الأولية".
كما أحال على القرار المؤرخ في 17 يناير 1953 المتعلق بتغيير ترتيب الأرقام الاستدلالية للمفتشين المكلفين بالمهمة نفسها.
وتبرز هذه الإحالات الطابع المتخصص لهذه الفئة، إذ ارتبط اختصاصها بتفتيش تعليم اللغة العربية داخل الأقسام الابتدائية. ومن ثم، لا يتعلق الأمر بتسمية عامة لمفتش يشمل اختصاصه مختلف المواد، بل بإطار يرتبط بمجال تعليمي ولغوي محدد.
وقد انصب تدخل المرسوم رقم 2.56.1172، في فصله الأول، على إعادة ترتيب الوضعية الاستدلالية لهذه الفئة، حيث نص على أن:
"ترتيب الأرقام الاستدلالية للمفتشين المغاربة في تعليم اللغة العربية سيكون على الشكل التالي".
وحدد النص ست طبقات استدلالية.
كما نظم الفصل الثاني الوضعية الانتقالية للمفتشين المعينين قبل وبعد فاتح يناير 1956، إذ نص على أن:
"المفتشين في تعليم اللغة العربية بالمدارس الابتدائية الإسلامية الذين وقع تعيينهم قبل فاتح يناير 1956 يدرجون في طبقة ذات رقم استدلالي يعادل أو يلي الرقم الاستدلالي الذي كان معينا لهم في الدرجة السابقة".
وشمل هذا التنظيم كذلك الموظفين الذين عينوا في درجة "مفتش" بعد ذلك التاريخ.
وتكمن أهمية هذا المرسوم في أن تدخله انصب أساسًا على الوضعية المالية والإدارية لفئة قائمة من المفتشين، من خلال إعادة ترتيب أرقامها الاستدلالية وتنظيم إدماج أعضائها في الطبقات الجديدة، ولم يتناول النص، في مقتضياته، إعادة تحديد مهام التفتيش أو وضع شروط جديدة للولوج إلى هذه الوظيفة
كما نص الفصل الثالث على إلغاء القرار الوزيري الصادر في 17 يناير 1953، وهو ما يعكس استمرار مراجعة المقتضيات المنظمة للوضعية المهنية لمفتشي تعليم اللغة العربية.
تنظيم إطار كواهي المفتشين في تعليم اللغة العربية
بعد ثلاثة أيام من صدور المرسوم رقم 2.56.1172، صدر المرسوم رقم 2.56.1170 بتاريخ 22 دجنبر 1956 بشأن كواهي المفتشين في تعليم اللغة العربية بالمدارس الابتدائية الإسلامية، ويكتسي هذا النص أهمية خاصة لارتباطه بتنظيم الوضعية النظامية لهذه الفئة، وتحديد شروط الولوج إليها، وتنظيم بعض جوانب مسارها المهني.
وقد أحالت ديباجة المرسوم على القرار الصادر في 29 يوليوز 1949 المتعلق بكواهي المفتشين في التعليم الابتدائي الإسلامي، وعلى المرسوم رقم 2.56.121 الصادر في 26 أبريل 1956 بشأن تحديد حالة مفتشي التعليم العربي بالمدارس الابتدائية الإسلامية والشروط التي يعينون بموجبها.
ويكشف هذا السياق المرجعي أن النص الجديد جاء لمعالجة وضعية إطار محدد داخل تنظيم قائم، من خلال إعادة ضبط بعض مقتضياته وتحديد موقعه ضمن موظفي التعليم الابتدائي الإسلامي.
فنص الفصل الأول على أن:
"يدخل كذلك في موظفي التعليم الابتدائي الإسلامي كواهي المفتشين في تعليم اللغة العربية".
ويبرز هذا المقتضى إدراج هذه الفئة ضمن موظفي التعليم الابتدائي الإسلامي، مع احتفاظها بتسميتها المرتبطة بمجال تعليم اللغة العربية.
أما فيما يتعلق بالولوج، فقد جعل الفصل الثاني المباراة أساسا لتعيين كواهي المفتشين في تعليم اللغة العربية، إذ نص على أنهم:
"يعينون بواسطة المباراة".
وقد فتح النص باب الترشيح أمام فئات مهنية محددة، من بينها الأساتذة الرسميون والمعلمون المغاربة الحاملون لشهادة الكفاءة البيداغوجية، مع مراعاة الشروط المتعلقة بالأقدمية والخبرة المهنية.
ويكشف ذلك عن اعتماد المباراة باعتبارها آلية للولوج إلى هذا الإطار، مع ربط الترشح بالمسار المهني السابق للمرشح وبمؤهلاته العلمية والمهنية.
وأكد الفصل السادس هذا التوجه عندما أسند إلى قرار يصدره وزير التعليم والفنون الجميلة تحديد:
"شروط المباراة المقررة في الفصل الثاني أعلاه وكذا برنامج هذه المباراة والكيفيات التي ستجرى عليها".
وبذلك لم يكتف المرسوم بإقرار التعيين عن طريق المباراة، بل ترك لقرار يصدره وزير التعليم والفنون الجميلة تحديد شروطها وبرنامجها وكيفيات إجرائها.
وعلى مستوى الوضعية المهنية، نص الفصل الثالث على أن:
"كواهي المفتشين في تعليم اللغة العربية وكواهي المفتشين في التعليم الابتدائي الإسلامي يدرجون في سلك واحد فتجرى عليهم جميع المقتضيات الخاصة بالترقية والتأديب والرخص وكذا الرواتب والتعويضات، ويكشف هذا المقتضى عن توحيد الوضعية النظامية للفئتين من خلال إدراجهما في سلك واحد وخضوعهما للمقتضيات نفسها فيما يتعلق بالترقية والتأديب والرخص والرواتب والتعويضات.
كما نص الفصل الرابع على تشكيل اللجنة المختصة بالنظر في ترقية كواهي المفتشين، محددا تركيبتها والجهة التي تترأسها، وبذلك تناول المرسوم، إلى جانب شروط التعيين، جانبا من تنظيم الترقية داخل هذا الإطار.
تعديل الوضعية الاستدلالية للمفتشين الممتازين للتربية البدنية والرياضية
صدر المرسوم رقم 2.58.666 بتاريخ 23 يونيو 1958، المتعلق بتغيير ترتيب الأرقام الاستدلالية الخاصة بالمفتشين الممتازين للتربية البدنية والرياضية، ويكتسي إدراج هذا النص ضمن دراسة تطور التفتيش التربوي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن تنظيم التربية البدنية والرياضية كان مرتبطًا، خلال هذه الفترة، بوزارة التربية الوطنية، التي كانت تضم ضمن تنظيمها قسم الشبيبة والرياضة.
ومن ثم، فإن المرسوم يتعلق بإطار تفتيشي مرتبط بمجال التربية البدنية والرياضية داخل التنظيم الإداري لقطاع التربية الوطنية، وهو ما تكشف عنه كذلك النصوص التنظيمية اللاحقة التي تناولت الوضعية النظامية لموظفي التربية البدنية والرياضية في إطار وزارة التربية الوطنية.
وقد انصب تدخل المرسوم على الجانب الاستدلالي لهذا الإطار، إذ حدد الفصل الفريد ترتيب أرقامه الاستدلالية، مع التنصيص على ست درجات للمفتش الممتاز، وقد نص الفصل الفريد على ترتيب الأرقام الاستدلالية الخاصة بهذا الإطار، محددًا ست درجات للمفتش الممتاز.
ويكشف هذا التنظيم أن أطر التفتيش خلال هذه الفترة لم تكن مقتصرة على التعليم الابتدائي أو على تفتيش تعليم اللغة العربية، بل شملت كذلك مجال التربية البدنية والرياضية، في إطار ذي تسمية ورتب استدلالية خاصة.
غير أن تدخل المرسوم، في حدود مقتضياته، انصب على الجانب المالي والاستدلالي، دون أن يتناول تحديد مهام المفتش أو شروط الولوج إلى هذا الإطار.
تعديل بعض شروط الولوج إلى التفتيش
بعد يومين من صدور المرسوم السابق (2.58.666)، صدر المرسوم رقم 2.58.684 بتاريخ 25 يونيو 1958، في تتميم المرسوم رقم 2.56.121 الصادر في 26 أبريل 1956 بشأن شروط تعيين مفتشي تعليم اللغة العربية بالمدارس الابتدائية الإسلامية وحالتهم الإدارية.
وقد أدخل هذا المرسوم تعديلًا مباشرًا على شروط الولوج، إذ نص فصله الفريد على تتميم الفصل الثاني من المرسوم السابق(2.56.121)، واستثنى من شرط الإجازة المذكورة بعض موظفي التعليم الإسلامي، وهم "المفتشون المساعدون" و"الأساتذة"، ويكشف هذا التعديل عن اعتماد شروط مختلفة بحسب الوضعية المهنية للفئات المترشحة، فبدل تطبيق شرط الشهادة بصورة موحدة، أخذ النص بعين الاعتبار بعض الفئات المنتمية إلى التعليم الإسلامي، ومن بينها فئة المفتشين المساعدين.
وتسمح هذه المقتضيات بإبراز حضور فئة المفتشين المساعدين ضمن البنية المهنية القائمة، كما تبين أن الصفة المهنية السابقة كانت تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد شروط الانتقال إلى إطار أعلى، من خلال الإعفاء من أحد الشروط المتعلقة بالمؤهل الدراسي.
حصيلة الجزء
تكشف النصوص المدروسة خلال الفترة الممتدة من 1955 إلى 1958 عن مرحلة اتسمت بتدخلات تنظيمية جزئية همت فئات محددة من أطر التفتيش، أكثر مما اتجهت إلى وضع تنظيم عام وموحد يشمل مختلف هذه الأطر.
فعلى مستوى التسميات والتخصصات، يظهر وجود عدد من الفئات، من بينها:
- مفتشو التعليم الابتدائي؛
- المفتشون المغاربة في تعليم اللغة العربية؛
- كواهي المفتشين في تعليم اللغة العربية؛
- كواهي المفتشين في التعليم الابتدائي الإسلامي؛
- المفتشون المساعدون؛
- المفتشون الممتازون للتربية البدنية والرياضية.
وتكشف هذه التسميات عن تعدد أسس تصنيف أطر التفتيش؛ إذ ارتبط بعضها بالطور التعليمي، وارتبط بعضها الآخر بطبيعة التعليم أو بالمجال التخصصي، في حين عبرت تسميات أخرى عن رتب داخل المسار المهني.
أما من حيث الولوج والمسار المهني، فتظهر المباراة باعتبارها إحدى آليات التعيين في بعض الأطر، إلى جانب الشهادات والأقدمية والخبرة المهنية، كما اهتمت النصوص بتوحيد الوضعية النظامية لبعض الفئات، وتنظيم جوانب من ترقيتها وتأديبها ورواتبها وتعويضاتها.
ومن ثم، تتميز هذه الفترة بكونها مرحلة إعادة ترتيب وتنظيم بعض الأطر القائمة، من خلال تدخلات استهدفت جوانب محددة من وضعيتها المهنية أو المالية أو شروط الولوج إليها، دون أن تكشف النصوص المدروسة خلالها بعد عن بناء هيكل موحد وشامل لمختلف أطر التفتيش، ومن هنا تكتسب سنة 1958 أهميتها بوصفها نهاية حلقة أولى يغلب عليها هذا النمط من التنظيم الجزئي، قبل الانتقال في القسم الموالي إلى تتبع التحولات التي ستعرفها أطر التفتيش داخل التنظيم الوطني للتعليم والإدارة خلال الفترة الممتدة من 1959 إلى 1968.