تصريح وزير التعليم: حين يتحوّل الخطاب الرسمي إلى تبرير للفشل البنيوي

مدونة

تحليل سوسيولوجي نقدي لتصريح يعري اختلالات المدرسة العمومية

مقدمة

لا يمكن النظر إلى التصريحات الصادرة عن المسؤولين الحكوميين، خصوصاً في مجال حساس كالتعليم، بوصفها تعبيرات شخصية معزولة، بل هي خطابات رمزية تحمل تصور الحكومة لوظيفة المدرسة العمومية وحدود التزامها بالعدالة التربوية، وفي هذا السياق، يكشف تصريح وزير التربية الوطنية برادة، بما تضمنه من عبارات مباشرة وصادمة، عن تحوّل خطير في الخطاب الرسمي: من منطق الإصلاح الشامل إلى منطق تبرير اللامساواة وتحميل المجتمع كلفة اختلالات بنيوية.

أولاً: «لأدرس جيداً أرسلني والدي لبلاد بعيدة، ولم يسبق لي قبل ذلك أن خرجت من المنزل»

تعكس هذه العبارة استدعاءً لتجربة شخصية لتبرير خيار عمومي، سوسيولوجياً، يُعدّ هذا خلطاً إشكالياً بين المسار الفردي والسياسة العمومية، فليست كل التجارب الفردية قابلة للتعميم، خصوصاً في مجتمع يعرف تفاوتاً اجتماعياً ومجالياً حاداً.

يحذّر بيير بورديو من تحويل الاستثناء إلى قاعدة، لما يحمله ذلك من عنف رمزي يشرعن اللامساواة باسم “التجربة الناجحة” (Bourdieu & Passeron, 1970). فالقول بأن النجاح يمر عبر مغادرة البيت والحيّ، يعني ضمنياً أن المدرسة القريبة غير جديرة بوظيفتها، وأن التفاوت قدر طبيعي لا نتيجة سياسية.

ثانياً: «هزّوا ولادكم من المدرسة العادية وسجلوهم في المدرسة الرائدة اللي فيها أحسن تعليم وخا بعيدة»

في هذه الجملة يتحول الخطاب من توصيف الواقع إلى أمر مباشر للأسر، وهي صيغة تعكس انسحاب الدولة من مسؤوليتها الجوهرية في ضمان تعليم جيد داخل المجال المعيشي للمواطن.

من منظور سوسيولوجي، يُمثّل هذا الخطاب انتقالاً من منطق الحق إلى منطق الاختيار القسري، فكما يؤكد إميل دوركايم، المدرسة العمومية وُجدت لتوحيد التجربة التعليمية وضمان حد أدنى مشترك من الجودة، لا لدفع الأسر إلى التنافس والبحث الفردي عن “الأفضل” (Durkheim, 1922).

كما أن استعمال تعبير “المدرسة العادية” في مقابل “المدرسة الرائدة” ليس بريئاً لغوياً، بل يؤسس تراتبية رمزية تُفرغ المرفق العمومي من مبدأ المساواة، وتُحوّل الجودة إلى امتياز انتقائي.

ثالثاً: «أكفس الأساتذة أو اللي معندهمش تجربة في التعليم يوجدون في الدوار… ودائماً المدارس القريبة من المنزل فاشلة والبعيدة مزيانة»

تُعدّ هذه العبارة أخطر عناصر التصريح، لأنها تُحمل الأطر التربوية مسؤولية فشل لم يصنعوه، وتُصدر حكماً تعميمياً يختزل المدرسة القريبة في الفشل.

يوضح مايكل أبل أن تحميل المدرسين مسؤولية اختلالات منظومية هو سمة ملازمة للخطاب النيوليبرالي في التعليم، حيث يتم إخفاء فشل السياسات العمومية عبر توجيه اللوم إلى الفاعلين الميدانيين (Apple, 2004). فالاكتظاظ، وسوء التوزيع، وغياب التكوين والدعم، ليست اختيارات الأساتذة، بل نتائج مباشرة لقرارات مركزية.

أما ربط الفشل بالقرب الجغرافي، فهو تكريس لمنطق مجالي إقصائي، يجعل من السكن المحدود مدخلاً لعقاب تربوي غير معلن، ويحوّل المدرسة إلى أداة فرز اجتماعي.

خاتمة

يكشف التحليل السوسيولوجي لتصريح وزير التربية الوطنية أن الخطورة لا تكمن في عفوية العبارات، بل في المنطق الذي يحكمها: منطق يعترف بفشل المدرسة العمومية، لكنه لا يلتزم بإصلاحها؛ يُقرّ باللامساواة، لكنه يدعو إلى التكيف معها بدل القضاء عليها؛ ويحوّل الحق الدستوري في التعليم إلى مجهود فردي تتحمله الأسر.

إن هذا الخطاب لا يقود إلى إصلاح، بل إلى شرعنة تعليم بطبقتين، ويطرح سؤالاً مقلقاً حول موقع العدالة الاجتماعية في السياسات التربوية الراهنة..

المراجع (بالعربية)

بيير بورديو وجان-كلود باسرون: إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية في نسق التعليم، ترجمة: محمد الداهي.
الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2015.
إميل دوركايم: التربية وعلم الاجتماع، ترجمة: محمد فاتح، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012.
مايكل أبل: الأيديولوجيا والمنهاج، ترجمة: عدنان حسين، عمّان: دار الشروق، 2010.
بازل برنشتاين: الطبقة واللغة والتنشئة الاجتماعية، ترجمة: محمد علي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004.

عبد الرزاق بن شريج

الوسوم الشائعة

أفضل المدونين

  • Sample avatar

    Christian Hardy

    Joomla! core

  • Sample avatar

    Agnes Payne

    Joomlart's Co-Founder

  • Sample avatar

    Christian Hardy

    UberTheme's CEO