رغم الجهود التي تُبذل على مستوى إقليم الرحامنة من طرف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وشركائها لحماية الأشخاص بدون مأوى من تداعيات موجة البرد القارس، فإن هذه التدخلات الإنسانية، على أهميتها، تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مسؤولية الحكومة في تدبير ملف الهشاشة الاجتماعية، الذي ما يزال يُعالَج بمنطق الظرفية لا بمنهج السياسات العمومية المستدامة.
فالحملات الليلية التي تشهدها شوارع مدينة بن جرير، واستقبال العشرات من الأشخاص في وضعية تشرد داخل مراكز الإيواء، تكشف في العمق عن فشل متراكم في الوقاية الاجتماعية، وعن غياب استراتيجية وطنية ناجعة تحول دون وصول مواطنين مغاربة إلى الشارع، ليصبحوا عرضة للموت البطيء مع كل انخفاض في درجات الحرارة.
ورغم التنسيق القائم بين السلطات المحلية والمندوبية الإقليمية للتعاون الوطني وفعاليات المجتمع المدني، فإن الاعتماد شبه الكلي على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يطرح إشكال تقاعس القطاعات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها وزارات التضامن والصحة والإسكان، عن أداء أدوارها الدستورية في ضمان الحق في السكن، والعلاج، والحماية الاجتماعية.
إن تخصيص مركز للإيواء وتعبئته بالأغطية والأفرشة وتقديم التغذية والفحوصات الطبية، يظل حلاً إسعافياً لا يعالج جذور المشكلة، بقدر ما يخفف مؤقتاً من حدتها. فبعد مرور موجة البرد، يعود أغلب المستفيدين إلى الشارع، في دورة عبثية تُعيد إنتاج الهشاشة بدل إنهائها.
وتكشف الأرقام المعلنة، والتي تشير إلى رصد 70 حالة تشرد خلال أزيد من 60 جولة ليلية، أن الظاهرة أوسع من أن تُدار بمنطق “الحملات”، بل تستدعي سياسة عمومية مندمجة تقوم على الإدماج الاجتماعي، وإعادة التأهيل النفسي، والتكوين المهني، وليس فقط الإيواء المؤقت.
إن استحضار التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بصون كرامة المواطن يفرض على الحكومة الانتقال من خطاب التضامن إلى تفعيل المسؤولية السياسية، عبر رصد ميزانيات كافية، ووضع برامج وطنية قارة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، بدل ترك المبادرات الإنسانية تقوم مقام السياسات العمومية.
وفي ظل التغيرات المناخية وتكرار موجات البرد القارس، يصبح استمرار هذا الوضع مؤشراً خطيراً على هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية، وعلى غياب الإرادة السياسية لمعالجة واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إلحاحاً، والتي لا تقبل مزيداً من التأجيل أو المعالجة الموسمية.
فالكرامة الإنسانية لا يجب أن تكون رهينة بانخفاض درجات الحرارة، ولا أن تُستحضر فقط عندما يطرق البرد أبواب الشارع.