يختزل المثلث الديداكتيكي لصاحبه جون هوساي Jean Houssaye العلاقة الديناميكية بين الأقطاب الثلاثة في وضعية تعليمية ؛ يتعلق الأمر بالمدرس و التلميذ و المحتوى دون أن يمنح الامتياز لقطب على آخر أو لمحور يربط قطبين من الثلاثة على آخر .
المفيد في هذا المثلث العجيب هو طبيعة العلاقات بين أقطابه و تفاعل هذه الأقطاب مع بعضها بشكل ثنائي مستمر مما يؤثر باستمرار على الوضعية التعليمية و على التعلم و الفاعلين فيه .الأكثر أهمية فيه ، هو أنه يمكن تضمينه أهم مكونات المعرفة المهنية للمدرس التي تتجاوز بكثير حدود اختزالها في نسج علاقات تعاطف تارة و تودد تارة أخرى أو كلاهما معا تؤثر سلبا على مقومات التعاقد الديداكتيكي و تعمق آثار انحرافته الجانبية ، لدرجة أن هناك من يعتبره تلخيصا للمهنة و لمتطلباتها و مجالات اشتغالها، الأمر الذي يجعل المدرس ، بالرغم من كونه قطبا فاعلا ، ملزما في نفس الوقت بتتبع مدى تأثيره كقطب و تأثير باقي الأقطاب و تفاعلها مع بعضها ثنائيا ، علما ان المسافة بين أقطابه يمكن ان تضيق و يمكن أن تتسع بحسب طبيعة التفاعل و حجم و نوع التاثير الذي يحدثه كل قطب، و لا يمكن اختزال الأداء الأفضل في القرب من قطب و الابتعاد عن باقي الاقطاب على اعتبار أن كل وضعية لها ما يميزها عن غيرها من الوضعيات العديدة الممكنة. فقد ينال المدرس ، على سبيل المثال، رضى متعلميه و إعجابهم فيغرقونه بمحبتهم و يغمرهم بعطفه فقط لأنه يولي الإهتمام الأكبر بالعلاقته التواصلية معهم دون أن يكون له كثير الاهتمام بعلاقته بالمحتوى المعرفي و كيفية نقله و إجراءات بلورته من أجل بناء الوضعيات الديداكتيكية المناسبة لبناء التعلمات بالفعالية المطلوبة و دون أن يكون مهتما بالابعاد الابستيمولوجية و السيكولوجية لمفهومي المعرفة و التعلم ، و قد يجعل هذا منه مدرسا ناجحا في نظر من يجهلون تعقيدات المعرفة المهنية و متطلباتها و مفهوم التعلم و أهدافه ، خاصة عندما يولي الكثير من الإهتمام برغبات متعلميه في الحصول على التقديرات الجيدة بغض النظر عن الإنجاز ، بينما هو في حقيقة الامر لا يقدم الكثير من أجل تمكين متعلميه من بناء فعال للتعلمات و تحسين مستويات تحكمهم منها. كما يمكن له أن ينهمك في تصريف مجهوداته لتحليل المادة الدراسية و بلورة الوضعيات التعليمية الأكثر فائدة و فعالية دون أن يهتم بخصوصيات مجموعة الفصل و مؤهلات كل فرد منها و مكتسباته ، و بدينامية الفصل الدراسي و أدوات تدبيره و تدبير العلاقات بين أفراد جماعته ليحولهم إلى مستقبلين اكثر منهم فاعلين حقيقيين في الفعل التعليمي التعلمي. و قد يترك الباب مفتوحا على مصراعيه دون ان يرسم حدودا واضحة لتدخلاته و لتدخلات متعلميه ، فيخلق نوعا من الفوضى غير البناءة اعتقادا منه أنه ينهج استراتيجيات التعلم الذاتي و يشجع على العمل الفردي .
في جميع الأحوال يمكن أن ينال المدرس رضا التلاميذ دون أن يحقق أهداف التعلم التي يتعين عليه السعي نحو تحقيقها ، عندها يكون قطب المحتوى ميتا mort ، و يمكن أن يتمكن من المحتويات بشكل جيد و لكن يكتفي بتقديمها وفق مقاربة دغمائية لا تقدم و لا تؤخر ، و هنا يكون قطب المتعلم هو الميت ، و قد يظل يراقب ما يجري داخل الفصل الدراسي دون أن يؤثر في حجم و نوع التفاعلات التي تحصل فيه، و عندها يكون هو نفسه الميت ، و بالرغم من انه يمكن أن نتحدث عن التعلم الذاتي ، فقد يصبح الأمر غير ذي أهمية عندما يتم فسح المجال للتلاميذ لخوض غمار التنافس المفتوح من أجل الإجابة عن أسئلة لا يوجد سياق مناسب لطرحها و يالتالي لا يفيد كثيرا في تجويد الأداء ، و من خلاله تجويد التعلمات. القطب الميت هو لاعب لا يمكن الاستغناء عنه على ضعف مساهمته في اللعب ، بحيث بدونه لا وجود للعب، و بالتالي فإن باقي اللاعبين هم من يحددون له المكانة الخاصة به في اللعبة ، و قد يتحول إلى أحمق fou عندما تضعف مساهمته أو يصبح مقلقا للباقين( J . Houssaye).
المؤكد ، منذ نشأة المدرسة الحديثة ، أن فعل التعليم و التعلم جماعي و اجتماعي بامتياز ، لذلك ينبغي على المدرس أن يستحضر الفوارق الفردية للتلاميذ و أن يستحضر خصوصيات التعليم الجماعي و أن يظل مرتيطا بأهداف التعلم المرسومة و غايات النظام التربوي و أن يحسن اختيار سياق حصول التعلم وفق خيارات محددة لا مجال فيها للعشوائية. مع إبقاء عينه مفتوحة على كل أنواع التبادلات اللفظية و غير اللفظية التي تحدث داخل فضاء القسم ، مع الحرص على أن تظل ثلاثية الوضع في السياق و الخروج من السياق و العودة مجددا للسياق ، موجها لكل أنشطة التعليم و التعلم ، و على إيلاء عملية التفويض la dévolution العناية التي تستحق ( G. Brousseau) و العمل على احترام بنود التعاقد الديداكتيكي contrat didactique ، و دون ذلك سيظل التنميط سيد الموقف و يظل الشحن المتكرر للذاكرة بمعارف صريحة و خواريزمات متشابهة مهيمنا على باقي انماط التفكير العليا الكفيلة بتحقيق أهداف التحويل الأساسية باعتبارها مقومات أساسية للتعلم الحقيقي المنشود.
محمد طويل