تقديم
بعد تتبع محاولات التحول التاريخي للتفتيش التربوي من الرقابة التقليدية إلى الحكامة والجودة في أوربا وبعض جول العام العربي (أنظر الأجزاء السابقة)، تبرز التجربتان العمانية والأردنية كنموذجين عربيين يسعيان إلى إعادة تنظيم الإشراف التربوي في ضوء التحولات الحديثة التي عرفتها الإدارة التعليمية عالميًا، وتكتسي هاتان التجربتان أهمية خاصة لكونهما تعكسان محاولة التوفيق بين الإرث البيروقراطي التقليدي ومتطلبات الجودة والتطوير المهني داخل المدرسة العربية الحديثة.
نشأة التفتيش في سياق بناء الدولة الحديثة
ارتبط ظهور التفتيش التربوي في كل من سلطنة عمان والأردن بمسار بناء الدولة الحديثة وتوسيع الإدارة التعليمية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ففي الأردن، تشكل جهاز الإشراف التربوي ضمن سياق بناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، حيث كرس قانون التربية والتعليم لسنة 1964 مركزية وزارة التربية والتعليم في تدبير الشأن المدرسي، وربط التفتيش بمراقبة تنفيذ المناهج وتتبع الأداء الإداري والتربوي داخل المؤسسات التعليمية (الزعبي، 2016). وقد كان المفتش في هذه المرحلة يمثل امتدادًا للسلطة المركزية داخل المدرسة، بما يعكس هيمنة نموذج الضبط المدرسي المرتبط بالبيروقراطية التربوية.
أما في سلطنة عمان، فقد ارتبط تطور التفتيش التربوي بمرحلة النهضة الحديثة التي انطلقت بعد سنة 1970، حيث شهد القطاع التعليمي توسعًا سريعًا فرض على الدولة بناء جهاز إداري قادر على تتبع المدارس وتأطيرها، وفي هذا السياق، ظهر التفتيش بوصفه آلية لضبط جودة التوسع التعليمي وضمان توحيد المناهج والبرامج داخل مختلف المؤسسات، وهو ما جعل الإشراف في بداياته أقرب إلى الرقابة الإدارية منه إلى المواكبة التربوية (الحارثي، 2014).
سلطنة عمان: التحول نحو الإشراف التطويري
غير أن التحولات التي عرفتها السياسات التعليمية العالمية منذ نهاية القرن العشرين، خصوصًا مع صعود مفاهيم الجودة التعليمية والحكامة، دفعت البلدين إلى إعادة النظر في مفهوم التفتيش التقليدي، ففي سلطنة عمان، بدأت وزارة التربية والتعليم في الانتقال التدريجي من مفهوم “التفتيش” إلى مفهوم “الإشراف التربوي”، وهو تحول تجسد بوضوح في الأدلة التنظيمية الحديثة، خاصة دليل الإشراف التربوي الصادر عن وزارة التربية والتعليم العمانية، والذي أعاد تعريف وظيفة المشرف باعتباره مؤطرًا مهنيًا ومسؤولًا عن تحسين الممارسات الصفية ودعم التطوير المهني للمدرسين، بدل الاقتصار على مراقبة الأداء وتقويمه (وزارة التربية والتعليم العمانية، 2018).
وقد أصبح المشرف التربوي، وفق هذا التصور، مطالبًا بالمساهمة في التكوين المستمر وتحسين نتائج التعلم، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا من الرقابة الإدارية إلى الإشراف التطويري المرتبط بالجودة التعليمية.
النقد التربوي وحدود التحول في عمان
ومع ذلك، فإن عددًا من الباحثين العمانيين يرون أن هذا التحول ظل جزئيًا ولم يؤد إلى تفكيك كامل للبنية البيروقراطية التقليدية، فقد أشار الحارثي (2014) إلى أن الإشراف التربوي في سلطنة عمان ما يزال يحمل آثار الثقافة الإدارية المركزية، رغم تبنيه خطاب الجودة والتطوير، كما أوضحت دراسة الشقصي (2019) أن كثافة المهام الإدارية الملقاة على عاتق المشرفين تحد من قدرتهم على ممارسة أدوارهم التأطيرية داخل المدرسة، وهو ما يعكس استمرار التوتر بين منطق الرقابة ومنطق المواكبة المهنية.
ويكشف هذا الوضع عن صعوبة الانتقال الكامل من نموذج التفتيش التقليدي إلى نموذج إشرافي قائم على الاستقلالية المهنية والحكامة التربوية.
الأردن وإصلاح الإشراف التربوي
في الأردن، ارتبط تحديث الإشراف التربوي بسلسلة من الإصلاحات التعليمية التي شهدتها البلاد منذ مطلع الألفية الثالثة، خاصة مع إطلاق مشروع “تطوير التعليم نحو اقتصاد المعرفة” (ERfKE) بدعم من البنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى. وقد سعت وزارة التربية والتعليم الأردنية إلى تطوير أدوار المشرف التربوي وربطها بمفاهيم الجودة والتقييم المؤسسي وتحسين نتائج التعلم.
كما صدرت تعليمات تنظيمية جديدة تؤكد على دور المشرف باعتباره قائدًا تربويًا وموجهًا مهنيًا داخل المؤسسة التعليمية، لا مجرد مفتش إداري (وزارة التربية والتعليم الأردنية، 2018). ويعكس هذا التحول محاولة إعادة بناء الإشراف التربوي في ضوء مفاهيم الحكامة والتطوير المؤسسي.
بين خطاب الجودة واستمرار البيروقراطية
غير أن عددًا من الدراسات النقدية الأردنية سجلت استمرار الطابع البيروقراطي للإشراف التربوي رغم الخطاب الإصلاحي الرسمي، فقد اعتبر عبيدات (2017) أن المشرف التربوي في الأردن ما يزال خاضعًا لمنطق التقارير الإدارية والتقييم الكمي أكثر من انخراطه في المواكبة المهنية الحقيقية للمدرسين، كما أشارت دراسة الكعابنة (2020) إلى وجود فجوة واضحة بين أهداف الجودة المعلنة وبين الإمكانات الواقعية المتاحة داخل المؤسسات التعليمية، سواء من حيث الموارد أو التكوين أو استقلالية القرار التربوي.
ويبرز هذا التناقض حدود التحول الذي عرفه الإشراف التربوي العربي، حيث ما تزال البنية الإدارية التقليدية تؤثر في أدوار المشرف ووظائفه.
الحكامة التعليمية وإعادة تعريف الإشراف
تكشف التجربتان العمانية والأردنية عن مسار عربي انتقالي يسعى إلى تجاوز نموذج التفتيش التقليدي نحو نموذج إشرافي حديث قائم على الجودة والتطوير المهني، فقد أصبح الإشراف يرتبط تدريجيًا بمؤشرات الأداء والتقييم المؤسسي والتخطيط التربوي وتحسين التعلمات، وهو ما يتقاطع مع التوجهات التي تدعو إليها تقارير UNESCO بشأن ربط الحكامة التعليمية بالمساءلة والجودة (UNESCO, 2017).
ومع ذلك، فإن هذا التحول ما يزال غير مكتمل، بسبب استمرار بعض مظاهر المركزية وهيمنة التقارير الإدارية وضعف استقلالية المدرسة العربية.
قراءة مقارنة في التجربتين
رغم اختلاف السياقات السياسية والإدارية، فإن التجربتين العمانية والأردنية تكشفان عن مسار متشابه يقوم على الانتقال التدريجي من التفتيش المركزي إلى الإشراف التربوي الحديث، ففي الحالتين، أصبح المشرف مطالبًا بأدوار جديدة تتجاوز الرقابة نحو التكوين والمواكبة وتحسين التعلمات.
غير أن استمرار الإرث البيروقراطي وصعوبة تفكيك المركزية الإدارية يجعلان هذا التحول انتقالًا غير مكتمل، تتداخل فيه مفاهيم التفتيش التقليدي مع خطابات الجودة والحكامة الحديثة.
خاتمة تمهيدية
تكشف تجربتا الأردن وسلطنة عمان عن مرحلة انتقالية داخل العالم العربي تجمع بين إرث التفتيش التقليدي ومحاولات بناء إشراف تربوي حديث قائم على الجودة والحكامة، بما يعكس التحول التدريجي من منطق “الرقابة” إلى منطق “التطوير” وتحسين أداء المنظومة التعليمية ككل.
ومن أجل التوسع أكثر في تمحيص واقع التفتيش التربوي بالعالم العربي، ستكون الحلقة القادمة مخصصة للتجربتين السعودية والكويتية، من خلال بحث موقع الإشراف التربوي داخل سياق التحديث المؤسسي وإصلاح الإدارة التعليمية.
المراجع
1. الحارثي سعيد (2014). الإشراف التربوي في سلطنة عمان: الواقع والتحديات. مسقط.
2. الزعبي أحمد (2016). الإدارة والإشراف التربوي في الأردن. عمان: دار البداية.
3. الشقصي محمد (2019). “أدوار المشرف التربوي في سلطنة عمان بين التقويم والتطوير”. مجلة الدراسات التربوية.
4. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO (2017). المساءلة في التعليم: الوفاء بالتزاماتنا. باريس: اليونسكو.
5. البنك الدولي (2017). برنامج دعم إصلاح التعليم في الأردن. واشنطن.
6. بوش، توني (2008). القيادة والتطوير الإداري في التعليم. لندن: منشورات سيج (SAGE Publications).
عبد الرزاق بن شريج