مدخل، بعد استعراض المسار العام للتفتيش التربوي في العالم العربي، يقتضي التحليل الانتقال إلى دراسة حالتين وطنيتين تكشفان كيفية تشكّل هذا الجهاز داخل سياقات قانونية ومؤسساتية متقاربة في مرجعيتها التاريخية، ومختلفة نسبيًا في درجات التحول نحو الإشراف التربوي.
تُعد كل من تونس والجزائر نموذجين يرتبطان تاريخيًا بالنموذج الفرنسي في تنظيم الإدارة التربوية، غير أنهما يقدمان مسارين متباينين في إعادة تعريف وظيفة التفتيش بين التقويم، التأطير، والمرافقة البيداغوجية.
الإطار التاريخي المشترك: استمرارية النموذج الموروث
ترجع جذور جهاز التفتيش التربوي في تونس والجزائر إلى الفترة الاستعمارية، حيث تم تأسيسه كأداة إدارية مركزية تهدف لضبط عمل المدرسين ومراقبة تنفيذ المناهج وفق التوجهات الرسمية المستعمرية. واستمر هذا الجهاز بعد الاستقلال ضمن الهيكل الإداري للدولة الوطنية (الحسيني، 2010).
يرى باحثون مغاربيون أن استمرار هذا الجهاز يعكس الطبيعة المركزية للدولة التي تعتبر التفتيش أداة تنظيم وضبط قبل أن تكون وسيلة لتطوير البيداغوجيا (أوزي، 2006).
تونس: نحو توسيع الوظيفة التأطيرية
في السياق التونسي، يُستخدم مصطلح "التفقد" بديلاً عن "التفتيش"، مما يعكس تحولًا تدريجيًا من الرقابة الإدارية نحو تعزيز الوظائف البيداغوجية التأطيرية.
ينظم التفقد التربوي في تونس بموجب "الأمر عدد 3123 لسنة 2008" الذي يحدد مهام التفقد البيداغوجي في التقييم، التأطير، والمساهمة في التكوين المستمر للمعلمين، مع تأكيد الوظيفة المهنية لدعم الممارسات التربوية (الطرابلسي، 2012).
رغم هذا الإطار القانوني المتطور، يستمر البعد التقويمي في التفقد كعنصر أساسي في تقييم الأداء والترقية المهنية، مما يعكس حالة توازن غير مستقر بين منطق التقويم الإداري ومنطق التأطير البيداغوجي.
الجزائر: هيمنة البعد التنظيمي
تنظم وظيفة التفتيش التربوي في الجزائر وفق "المرسوم التنفيذي رقم 08-315 لسنة 2008" المتعلق بالقانون الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية. ويضع هذا المرسوم التفتيش في إطار إداري دقيق يُركز على مراقبة تنفيذ البرامج التعليمية وتقييم الأداء (عبد الكريم غريب، 2011).
يرى عبد الكريم غريب أن هذا الإطار المؤسسي يعكس تصورًا وظيفيًا يجعل التفتيش أداة ضبط أكثر من كونه وسيلة تطوير بيداغوجي، حيث يظل التوازن بين التوجيه الإداري والدعم البيداغوجي هشًا ويُهيمن عليه الجانب التنظيمي.
قراءة مقارنة: بين التقنين القانوني وحدود الفعل التربوي
يبين التحليل المقارن أن تونس والجزائر اعتمدتا تقنينًا قانونيًا واضحًا لوظيفة التفتيش، إلا أن هذا التقنين لا ينقل بالضرورة إلى تغيير جوهري في الممارسة التربوية.
في تونس يظهر ميل متزايد نحو إدماج الوظائف التربوية في التفقد، أما في الجزائر فتظل الهيمنة للإطار التنظيمي الإداري.
تؤكد الأدبيات التربوية أن نجاح الانتقال نحو الإشراف التربوي مرتبط ليس فقط بتعديل النصوص القانونية، بل بإعادة بناء ثقافة مهنية تتيح تحويل التقويم من أداة حكم إلى أداة تحسين للتعلم (OECD, 2013).
خلاصة تمهيدية
تكشف تجربتا تونس والجزائر أن الإشكال ليس في غياب التقنين القانوني، بل في حدود فعالية هذا التقنين في إحداث تحول حقيقي بالممارسة التربوية.
يبقى التفتيش في كلا السياقين متحركًا ضمن توتر بنيوي بين منطق تقليدي للضبط ومنطق حديث للإشراف التربوي، ما يستدعي الانطلاق نحو بناء جهاز تفتيش تربوي يوازن بين الإطار القانوني والممارسة المهنية داخل المدرسة.
سيتم تعميق هذا الإشكال لاحقًا من خلال دراسة حالتي موريتانيا وليبيا، حيث تتقاطع تحديات البناء المؤسسي مع محدودية الاستقرار التنظيمي.
المراجع العلمية والقانونية المعتمدة:
- الحسيني محمد (2010)، "الاستمرار والتحول في النظام الإداري التربوي في الوطن العربي"، مجلة العلوم التربوية.
- أوزي أحمد (2006). "التفتيش التربوي في الدول المغاربية: دراسة إدارية مقارنة". دار النشر الجامعي.
- الطرابلسي منى (2012)، "تحولات وظيفة التفقد في تونس: من الرقابة إلى التأطير"، مجلة التربية والعلوم.
- عبد الكريم غريب (2011)، "التفتيش التربوي في الجزائر: ضوابط التنظيم وحدود التطبيق"، منشورات عالم التربية.
- OECD (2013). "Improving School Leadership: Case Studies on Education Reform". OECD Publishing.
- الأمر عدد 3123 لسنة 2008 المتعلق بتنظيم سلك التفقد البيداغوجي في تونس.
- المرسوم التنفيذي رقم 08-315 لسنة 2008 المتعلق بالقانون الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية في الجزائر.
بقلم عبد الرزاق بن شريج.