بعد تحليل النماذج الدولية التي انتقلت من التفتيش إلى الإشراف التربوي، كما في التجربتين الأوروبية واليابانية، ثم النموذج الفنلندي الذي قام على الثقة المهنية والجودة التعليمية، تبرز التجربة العربية بوصفها مسارًا مختلفًا تشكّل في سياق تاريخي خاص، فقد تداخل فيه الإرث الإداري الاستعماري مع مشاريع بناء الدولة الوطنية، مما جعل مسار تطور التفتيش التربوي يتسم بنوع من الاستمرارية البنيوية، رغم تعدد محاولات الإصلاح.
1- النشأة التاريخية: إرث النموذج الإداري
يرتبط ظهور التفتيش التربوي في عدد من الدول العربية بمرحلة التوسع الاستعماري الأوروبي خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث تم نقل نماذج تنظيمية جاهزة، خاصة النموذج الفرنسي في بلدان المغرب الكبير، والنموذج البريطاني في بعض دول المشرق، وقد كان الهدف من هذا الجهاز، في سياقه الأصلي، هو ضبط المدرسة ومراقبة المدرسين وضمان تنفيذ البرامج وفق التوجهات المركزية للدولة.
ويشير محمود الحسيني، في دراسته حول التفتيش التربوي في الدول العربية، إلى أن هذا الجهاز تأسس منذ البداية بوصفه أداة إدارية رقابية، أكثر منه آلية للتأطير أو التطوير المهني، وهو ما أسهم في ترسيخ صورة المفتش باعتباره ممثلًا للسلطة أكثر من كونه شريكًا تربويًا داخل المؤسسة التعليمية.
2- مرحلة ما بعد الاستقلال: استمرارية البنية وتعديل الوظائف
مع حصول الدول العربية على استقلالها، لم تعرف أنظمة التفتيش التربوي قطيعة جذرية مع النموذج الموروث، بل تم الإبقاء على بنيته الأساسية مع إدخال بعض التعديلات على مستوى الوظائف، فقد أصبح التفتيش، رسميًا، يجمع بين مهام المراقبة والتأطير، مع توسيع دوره ليشمل التكوين المستمر والمساهمة في تطوير الأداء التربوي.
غير أن هذا التحول ظل في جزء كبير منه شكليًا، إذ يوضح الحسيني أن الممارسة الفعلية للتفتيش بقيت محكومة بمنطق التقييم والمراقبة، حيث ظل المفتش يؤدي وظيفة تقويم أداء المدرسين ومتابعة تنفيذ المناهج، أكثر من انخراطه في تحسين الممارسات الصفية أو دعم التعلم داخل الفصل (الحسيني، 2010).
3- التحول المفاهيمي نحو الإشراف التربوي
ابتداءً من أواخر القرن العشرين، بدأت تظهر داخل الأدبيات التربوية العربية دعوات لإعادة تعريف وظيفة التفتيش في اتجاه ما أصبح يُعرف بالإشراف التربوي (Educational Supervision). ويبيّن محمد عبد الكريم، في كتابه حول الإشراف التربوي الحديث، أن هذا التحول يستند إلى تصور جديد يجعل من الإشراف عملية مرافقة مهنية تهدف إلى تحسين أداء المدرسين وتطوير جودة التعلم داخل الفصل (عبد الكريم، 2015).
وفي السياق نفسه، يخلص أنطون دي غراوف، في دراسته المقارنة حول إصلاح أنظمة الإشراف التربوي الصادرة عن اليونسكو، إلى أن فعالية هذا الجهاز تظل مرتبطة بقدرته على التحول من أداة للضبط الإداري إلى آلية لتحسين جودة التعليم، من خلال دعم الممارسات الصفية وتعزيز التعلم لدى التلاميذ (De Grauwe, 2007) وهو ما يعكس انتقالًا نظريًا من التفتيش إلى الإشراف، دون أن يعني ذلك تحقق هذا الانتقال فعليًا في جميع السياقات.
4- إشكالات التحول: بين الخطاب والممارسة
رغم تبني مفهوم الإشراف التربوي في عدد من الإصلاحات التعليمية العربية، فإن الممارسة الميدانية تكشف عن استمرار عناصر قوية من النموذج التقليدي، غير أن الإشكال لا يكمن في وجود التقويم في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بطبيعته ووظيفته داخل المنظومة التربوية.
ففي حين يُفترض أن يُوظَّف التقويم بوصفه أداة لتشخيص الممارسة التربوية ودعم تطويرها، يظل في كثير من الحالات مرتبطًا بمنطق الضبط الإداري، حيث يُستخدم أساسًا للحكم على أداء المدرس بدل مرافقة تطوره المهني، ونتيجة لذلك، يتداخل البعد التقويمي مع البعد التنظيمي، دون أن يتحول فعليًا إلى أداة للتطوير التربوي.
ويتعزز هذا الوضع باستمرار الطابع الإداري في عمل المفتش، إلى جانب محدودية الاستقلالية المهنية داخل المؤسسات التعليمية، مما يجعل الإشراف التربوي يتحرك في منطقة وسطى بين منطقين: منطق التقويم بوصفه آلية للضبط، ومنطق التقويم بوصفه أداة للتطوير.
وتؤكد التقارير الدولية، خاصة تلك الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن نجاح التحول نحو إشراف تربوي فعال يقتضي وضوحًا في توزيع الأدوار، وفصلًا نسبيًا بين وظيفة التقويم ووظيفة الدعم التربوي، إلى جانب ترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الثقة والمسؤولية داخل المدرسة (OECD, 2013). غير أن هذه الشروط لا تزال، في كثير من الأنظمة العربية، غير مكتملة أو في طور التحقق.
5- قراءة تحليلية: بين الاستمرارية وإعادة التشكيل
تكشف التجربة العربية أن مسار تطور التفتيش التربوي لم يكن مسارًا خطيًا نحو الإشراف التربوي، بل اتسم بتداخل بين الاستمرارية التاريخية ومحاولات إعادة التشكيل، وفي هذا السياق، يوضح أنطون دي غراوف أن نقل نماذج الإشراف الحديثة إلى أنظمة تعليمية ذات بنية مركزية قوية، دون تكييفها مع خصوصياتها المؤسسية، يؤدي غالبًا إلى إصلاحات شكلية لا تمس جوهر الممارسة (De Grauwe, 2007).
ومن زاوية أخرى، يشير الباحث التربوي المغربي أحمد أوزي إلى أن إشكالية الإشراف التربوي في السياق العربي ترتبط بالبنية المركزية للنظام التعليمي، التي تجعل من الصعب الانتقال إلى نموذج قائم على الاستقلالية المهنية والمسؤولية الذاتية، حيث يظل المفتش مرتبطًا بوظائف الضبط الإداري أكثر من انخراطه في المرافقة التربوية (أوزي، 2006).
ويعكس هذا الوضع حالة من التوتر بين نموذجين: نموذج تقليدي قائم على الرقابة، ونموذج حديث يسعى إلى ترسيخ الإشراف التربوي بوصفه أداة للتطوير المهني.
خلاصة تمهيدية
يتضح من خلال هذا المسار أن العالم العربي لا يزال يعيش مرحلة انتقالية في تطور الإشراف التربوي، حيث تتعايش ممارسات التفتيش التقليدي مع محاولات تحديثه في اتجاه الإشراف التربوي، وهو ما يجعل هذا المجال مفتوحًا لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الدولة والمدرسة، وبين الرقابة والتطوير، في أفق بناء نموذج أكثر توازنًا وفعالية.
وفي الحلقة القادمة، سيتم الانتقال إلى دراسة نماذج عربية أكثر تحديدًا، من خلال تحليل تجارب وطنية مقارنة، بما يسمح بفهم أعمق لمسارات الإصلاح وإمكاناته وحدوده.
المراجع
الحسيني محمود، التفتيش التربوي في الدول العربية: الواقع وآفاق التطوير، القاهرة: دار الفكر التربوي. (2010).
عبد الكريم محمد، الإشراف التربوي الحديث وأساليب تطوير التعليم، عمان: دار المسيرة. (2015).
أوزي أحمد، التربية والتكوين بالمغرب: قضايا وإشكالات، الدار البيضاء: إفريقيا الشرق . (2006)
أنطون دي غراوف (Anton De Grauwe). تحويل الإشراف المدرسي إلى أداة لتحسين الجودة التعليمية.
باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو- UNESCO).
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (Organisation for Economic Co-operation and Development – OECD)
المعلمون في القرن الحادي والعشرين: استخدام التقييم لتحسين التدريس. باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. (2013).
بقلم عبد الرزاق بن شريج: تطور التفتيش التربوي والإشراف التعليمي: من النشأة إلى النماذج الحديث، الجزء السادس، العالم العربي: من التفتيش الموروث إلى تعثر الإشراف التربوي