إذا كانت النماذج الأوروبية قد أبرزت تباينًا بين المركزية والمساءلة واللامركزية في تنظيم التفتيش التربوي، فإن التجربة اليابانية تقدم مسارًا مختلفًا، يقوم على دمج الإشراف التربوي داخل الثقافة المهنية للمؤسسة التعليمية نفسها، وقد جاء هذا التحول نتيجة مسار تاريخي طويل، انتقل فيه النظام التعليمي من الرقابة الإدارية إلى دعم الممارسة الصفية من الداخل.
أولًا: الجذور التاريخية للتفتيش في اليابان
تعود بدايات التفتيش التربوي في اليابان إلى فترة إصلاحات ميجي (Meiji Restorationإصلاحات ميجي) في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعت الدولة إلى بناء نظام تعليمي حديث مستلهم جزئيًا من النماذج الغربية، خاصة الفرنسية (Hood, 2001).
وخلال هذه المرحلة، اتخذ التفتيش طابعًا إداريًا صارمًا، يهدف إلى:
- مراقبة المؤسسات التعليمية
- ضمان الالتزام بالمناهج
- ترسيخ سلطة الدولة في المجال التربوي
غير أن هذا النموذج لم يستمر على حاله، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.
ثانيًا: التحول بعد الحرب العالمية الثانية
شهد النظام التعليمي الياباني تحولًا عميقًا بعد الحرب العالمية الثانية، في سياق إصلاحات شاملة هدفت إلى دمقرطة التعليم وتطويره.
وقد أدى ذلك إلى إعادة تعريف وظيفة التفتيش، حيث تم تقليص الطابع الرقابي لصالح أدوار أكثر دعمًا للممارسة التربوية، في إطار ما أصبح يعرف بـ الإشراف التربوي (Educational Supervision / Supervisio Educativa) (Lewis, 2002).
وأصبح التركيز منصبًا على:
- تحسين جودة التدريس
- تطوير أداء المعلمين
- دعم التعلم داخل الفصل
ثالثًا: الإشراف التعاوني (Lesson Study)
يُعد بحث الدرس (Lesson Study / Jugyō Kenkyū) أو ما يسمى بالدروس التجريبية في المدرسة المغربية من أبرز ملامح النموذج الياباني، وهو أسلوب يقوم على التعاون بين المعلمين داخل المؤسسة التعليمية.
يقوم هذا النموذج على:
- تخطيط درس بشكل جماعي
- تنفيذه داخل حجرة الدرس
- ملاحظته من طرف زملاء
- مناقشته وتحسينه
وبذلك يصبح الإشراف عملية داخلية تشاركية، لا تعتمد أساسًا على تدخل مفتش خارجي، بل على جماعة الممارسين أنفسهم (Lewis, 2002).
ورغم الطابع التعاوني لما يُعرف بـ"بحث الدرس"، فإن هذه العملية لا تتم بشكل عفوي، بل تخضع لتنظيم مؤسساتي داخل المدرسة، حيث يشرف مدير المؤسسة على برمجتها، ويتولى منسقو المواد تأطيرها وتوجيهها، في حين تساهم مجالس التعليم المحلية في تحديد أولوياتها. وبذلك يجمع هذا النموذج بين التأطير التنظيمي والانخراط المهني الجماعي، مما يجعله بديلاً عن التفتيش الخارجي التقليدي.
رابعًا: التنظيم المؤسسي للإشراف
رغم الطابع التعاوني، لا يخلو النظام الياباني من بنية مؤسساتية للإشراف، حيث تضطلع مجالس التعليم المحلية (Boards of Education) بدور مهم في:
- تتبع أداء المدارس
- تقديم التوجيه التربوي
- تنظيم التكوين المستمر
غير أن دور هذه الهيئات يظل:
- داعمًا أكثر منه رقابيًا
- مكمّلًا للممارسة داخل المدرسة
قراءة تحليلية: خصوصية النموذج الياباني
يختلف النموذج الياباني عن النماذج الأوروبية في كونه:
- لا يعتمد بشكل أساسي على جهاز تفتيش خارجي قوي
- يركز على التنمية المهنية الجماعية (Professional Collaborative Development)
- يجعل المدرسة فضاءً للإشراف الذاتي
وقد أظهرت الدراسات المقارنة أن هذا النموذج يساهم بشكل فعّال في تحسين جودة التعلم، من خلال بناء ثقافة مهنية قائمة على التعاون والتأمل في الممارسة (Lewis, 2002؛ Hood, 2001).
كما تشير بعض التحليلات العربية إلى أن هذا النموذج يمثل تحولًا نوعيًا في مفهوم الإشراف، حيث ينتقل من سلطة خارجية إلى ممارسة داخلية نابعة من الفاعلين التربويين أنفسهم (عبد الكريم، 2015).
خاتمة تمهيدية
تُبرز التجربة اليابانية أن الإشراف التربوي يمكن أن يتجاوز حدود التفتيش التقليدي، ليصبح ممارسة مهنية جماعية داخل المؤسسة التعليمية، غير أن هذا النموذج، رغم نجاحه، يظل مرتبطًا بسياق ثقافي خاص، وهو ما يطرح سؤال إمكانية نقله إلى أنظمة تعليمية أخرى، خاصة في العالم العربي، وهو ما سنناقشه في الحلقة المقبلة.
المراجع المعتمدة
- عبد الكريم محمد، الإشراف التربوي الحديث وأساليب تطوير التعليم، عمان: دار المسيرة (2015).
2- كاثرين لويس (Catherine Lewis). بحث الدرس: دليل للتغيير التعليمي القائم على قيادة المعلمين. فيلادلفيا: مؤسسة “البحث من أجل مدارس أفضل (Research for Better Schools). (2002)
3- كريستوفر هود (Christopher Hood). إصلاح التعليم في اليابان: إرث ناكاسوني، لندن: روتليدج. (2001)
4- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (Organisation for Economic Co-operation and Development – OECD)
المعلمون في القرن الحادي والعشرين: استخدام التقييم لتحسين التدريس. باريس: منشورات OECD. (2013).
5- تقارير رسمية صادرة عن وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا اليابانية، أهمها:
أ) "التعليم في اليابان: عرض شامل للنظام التعليمي" 2011.
ب) الكتاب الأبيض للتعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا.2018
عبد الرزاق بن شريج، تطور التفتيش التربوي: من النشأة إلى النماذج الحديثة، الجزء الرابع.